القوة العظمى الجديدة أم ولادة نموذج جديد للقوة؟!
كتب / مظهر الغيثي ||
لم تحاول إيران أن تصبح نسخة من الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين.
منذ عقود، بنت لنفسها طريقاً مختلفاً في تعريف القوة: قوة لا تقوم فقط على حجم الاقتصاد أو التفوق الجوي والبحري، بل على العقيدة غير المتماثلة (Asymmetric Doctrine) المتمثلة في القدرة على البقاء تحت الضغط، وإعادة بناء القدرات، ورفع كلفة الحرب على الخصم.
وهنا تكمن أهمية ما جرى في الحرب الأخيرة.
إيران لم تخرج منها بوصفها قوة تقليدية تملك تفوقاً عسكرياً شاملاً، لكنها أظهرت قدرة على امتصاص الضربة، وإعادة تنظيم قدراتها، والاستمرار في استخدام الصواريخ الباليستية (Ballistic Missiles) والطائرات المسيرة (UAVs / Drones) والوسائل غير المتماثلة، مع تحويل موقعها الجغرافي إلى جزء أساسي من منظومة الردع (Deterrence System).
وهذا يقودنا إلى هرمز.
مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي بالنسبة لإيران، بل هو واحد من أهم نقاط الاختناق البحرية (Maritime Chokepoints) المرتبطة مباشرة بأمن الطاقة العالمي. وعندما تصبح حركة النفط والغاز والتجارة مرتبطة بأمن هذا الممر، فإن الدولة التي تستطيع التأثير في استقراره تمتلك قدرة تتجاوز حجمها العسكري والاقتصادي التقليدي.
ثم جاءت جبهة باب المندب، لكن بصورة مختلفة.
إيران لا تسيطر على باب المندب بصورة مباشرة، إلا أن علاقتها بالحوثيين منحتها، بحسب تحليلات دولية، قدرة غير مباشرة على ربط الاختناقات البحرية المزدوجة (Dual Chokepoints) للتأثير في أهم الممرات المائية في العالم.
وهنا ظهر مفهوم جديد يمكن تسميته الردع الجغرافي (Geographic Deterrence).
أي أن الدولة لا تحتاج إلى السيطرة المباشرة على كل منطقة لكي تؤثر فيها؛ يكفي أن تمتلك القدرة على تعطيل أو تهديد نقاط استراتيجية مرتبطة بالاقتصاد العالمي، ومضاعفة تكاليف تأمين مخاطر الحرب (War Risk Insurance) على حركة الملاحة.
وبذلك أصبحت قوة إيران لا تُقاس فقط بعدد الطائرات أو القطع البحرية، وإنما بمقدار الكلفة التي يستطيع خصومها تحملها إذا قرروا الدخول في حروب استنزاف (Wars of Attrition) طويلة معها.
القوة ليست دائماً في الانتصار
المعيار التقليدي للقوة هو أن تهزم خصمك.
أما النموذج الإيراني فيقوم على معيار مختلف:
أن تمنع خصمك من تحقيق أهدافه بسهولة، وأن تجعل تكلفة إسقاطك أعلى من قدرة خصمك على تحملها عبر الحرب غير المتماثلة (Asymmetric Warfare).
وهذا لا يعني أن إيران أصبحت أقوى من الولايات المتحدة أو الصين أو روسيا، ولا أنها تمتلك قدرات عسكرية مماثلة لها.
لكنها قد تكون أثبتت أن الدولة تستطيع بناء نموذج قوة مؤثر حتى من دون امتلاك عناصر القوة التقليدية نفسها.
وهنا تكمن أهمية التجربة الإيرانية.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الحرب
السؤال الأهم ليس: هل صمدت إيران؟
بل: هل تستطيع تحويل هذا الصمود إلى قوة مستدامة؟
وهنا يصبح ما بعد عام 2027 مهماً.
إذا تمكنت إيران خلال السنوات المقبلة من إعادة بناء قدراتها الصاروخية والدفاعية، والحفاظ على قدرتها البحرية، ومعالجة آثار الحرب الاقتصادية، وإعادة تنظيم علاقاتها الإقليمية، فإن ما ظهر خلال الحرب قد يتحول من حالة استثنائية إلى نموذج دائم للقوة.
أما إذا عجزت عن ذلك، فقد يبقى ما حدث مجرد مرحلة مؤقتة فرضتها ظروف الحرب.
لذلك فإن 2027 ليس تاريخاً سحرياً، بل نقطة يمكن عندها قياس السؤال الأكبر:
هل استطاعت إيران تحويل الصمود إلى منظومة قوة مستدامة؟
والشرق الأوسط يتغير
المشهد الجديد لا يتعلق بإيران وحدها.
تركيا والسعودية وباكستان وغيرها تتحرك أيضاً نحو بناء قدرات أمنية وعسكرية واقتصادية أكثر استقلالاً، وهو ما يعكس انتقال المنطقة تدريجياً نحو نظام تعددية المراكز (Multipolarity) بدلاً من الاعتماد على مركز واحد للقوة.
لكن إيران تظل الحالة الأكثر إثارة للاهتمام، لأنها تحاول بناء نفوذ استراتيجي من عناصر لا تبدو في ظاهرها متكافئة: الجغرافيا، الصواريخ، الوكلاء، الطاقة، والممرات البحرية.
وهذه العناصر، عندما تعمل معاً، يمكن أن تنتج قوة أكبر من مجموع أجزائها.
إذن… هل أصبحت إيران قوة عظمى؟
بالمفهوم التقليدي: لا.
أما بالمفهوم الجديد للقوة الاستراتيجية: فقد تكون إيران قد قدمت نموذجاً يستحق أن يعاد تعريفه.
فالقوة العظمى في القرن الحادي والعشرين قد لا تكون الدولة التي تستطيع السيطرة على العالم، بل الدولة التي تستطيع منع الآخرين من إعادة تشكيل محيطها من دون دفع ثمن كبير.
وإذا نجحت إيران في الحفاظ على هذا النموذج بعد الحرب، فقد لا يكون السؤال مستقبلاً:
هل إيران قوة عظمى؟
بل:
هل تغيّر تعريف القوة العظمى نفسه؟