حرب تراوح مكانها.. وانتخاباتٍ تحكمها النيران
كتب / د. ميساء المصري
إذا أردنا فهم الأسابيع المقبلة في الشرق الأوسط، فعلينا أن نتوقف عن النظر إلى غزة وإيران واليمن والعراق بوصفها أزمات منفصلة. المنطقة دخلت مرحلة تتقاطع فيها الحرب مع الانتخابات، والطاقة مع السياسة الداخلية، والبحر مع صناديق الاقتراع.
ومن 23 سبتمبر إلى نهاية العام هي المرحلة الفاصلة للشرق الأوسط ، فهل تقع الحرب؟ و هل تستطيع الأطراف إدارة الحرب بحيث لا تتحول إلى حرب أكبر من قدرتها على الاحتمال؟.
المحطة الأولى هي إسرائيل في 27 أكتوبر، ثم الولايات المتحدة في 3 نوفمبر. الانتخابات الإسرائيلية محدد سياسي مباشر لمسار حكومة بنيامين نتنياهو، بينما الانتخابات النصفية الأمريكية ستحدد البيئة البرلمانية التي سيتحرك فيها دونالد ترامب خلال العامين التاليين. الموعدان ثابتان في الإطار القانوني لكن في إطار أرض الواقع السياسي قد تمتد لشهور ،
الرئيس الأمريكي يريد، سياسيًا، الوصول إلى لحظة يستطيع فيها القول إن الحرب انتهت أو جرى احتواؤها. و إنه يأمل أن تكون الحرب في مراحلها الأخيرة. وفي الوقت نفسه، أعلن عن اجتماع مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي في نيويورك البارحة لمناقشة الحرب والمشاركة فيها وما بعدها. لكن دول الخليج نفسها تدفع ثمن الحرب، ولذلك فإن مشاركتها في النقاش لا تعني تلقائيًا استعدادها للدخول في حرب مباشرة. خاصة و أن العمليات العسكرية الأمريكية بلغت كلفتها نحو 38 مليار دولار.
وهنا يمكن تصور سيناريو إدارة الحرب بدل توسيعها.بحيث تبقي واشنطن على الضغط العسكري والاقتصادي على إيران، لكنها تتجنب عملية أمريكية واسعة جديدة قبل انتخابات نوفمبر. وهذا يتسق مع رغبة ترامب في منع انتقال الحرب إلى أسعار الطاقة والتضخم والإنفاق العسكري بصورة أكبر، خصوصًا أن مضيق هرمز أصبح عامل ضغط عالمي.
الأرقام التجارية تقدم إنذارًا مبكرًا. فقد ارتفعت بعض خطوط الشحن من الصين إلى الخليج بأكثر من 250% مقارنة بما قبل الأزمة. كما وصلت أسعار ناقلات النفط العملاقة من خليج عمان إلى الصين إلى مستويات قياسية. وهذا يتعارض مع امكانية حدوث التهدئة المؤقتة في المنطقة.
و قرار وزارة الخزانة الأمريكية بشأن شركات الطيران الإيرانية يعكس بالفعل انتقال الضغط إلى المجال الاقتصادي والطيران المدني، وليس مجرد العمل العسكري.
أما إيران، فإن خياراتها لا تقتصر على الصواريخ.بل تستطيع استخدام أدوات بحرية واقتصادية ووكلائها الإقليميين، لكن توسيع الرد يحمل مخاطرة أساسية، كلما ارتفعت كلفة الطاقة والشحن على أوروبا وآسيا، ازداد الضغط الدولي عليها أيضًا.
وهنا تظهر اليمن باعتبارها الحلقة الأخطر.والتصعيد السعودي – الحوثي يزداد تصعيدا ، واقترب الحوثيون من مناطق استراتيجية مرتبطة بباب المندب، بينما تراجعت واشنطن عن ضربة واسعة كانت قيد الدراسة ضد الحوثيين، وفق تقارير أمريكية.
لذلك قد يكون البحر الأحمر أهم من الجبهة البرية خلال الأسابيع المقبلة. فإغلاق هرمز أو اضطراب باب المندب لا يحتاج إلى حرب عالمية كي ينتج أزمة عالمية، يكفي أن يصبح التأمين البحري مكلفًا، وأن تتراجع حركة الناقلات، وأن ترتفع أسعار الطاقة والشحن.
ثم تأتي إسرائيل.نتنياهو يحتاج إلى بيئة أمنية تسمح له بتقديم الحرب باعتبارها عنصرًا مركزيًا في المعركة الانتخابية. لكن المشكلة أن الحرب الإقليمية الواسعة تحتاج في النهاية إلى الولايات المتحدة، بينما قد تكون حسابات واشنطن الانتخابية مختلفة. ومن هنا قد يظهر تناقض تكتيكي بين الطرفين، إسرائيل قد ترى في الضغط العسكري أداة سياسية، بينما قد ترى واشنطن في استمرار التصعيد عبئًا اقتصاديًا وانتخابيًا.
أما غزة، فقد تصبح مجال التعويض السياسي. كلما صعب إغلاق الملف الإيراني، يصبح من المفيد لواشنطن تحقيق تقدم في ملف غزة المغيب، ضبط العمليات الإسرائيلية، توسيع المساعدات، الدفع نحو ترتيبات أمنية، والضغط باتجاه صيغة سياسية قابلة للتسويق.
ثم تأتي أوروبا، التي بدأت بالفعل تتعامل مع احتمال اتساع الحرب الروسية ـ الأوروبية باعتباره سيناريو تخطيط لا مجرد فرضية بعيدة. ألمانيا تدرس استعداد مستشفياتها لاستقبال أعداد كبيرة من الجرحى في حالة حرب مع روسيا، وتبحث إعادة تشغيل منشآت طبية محصنة تعود إلى الحرب الباردة.وتطالب شعبها بتخزين الغذاء.
لكن هذه الصورة الأوروبية لا تعني أن الحرب مع روسيا حتمية. إنها تعني أن المؤسسات الأوروبية رفعت مستوى التخطيط لأسوأ الاحتمالات.والذي قد يكون أوجه في 2030.
ويبقى العامل الصيني.لقاء ترامب وشي جين بينغ ليس تفصيلًا اقتصاديًا منفصلًا عن الشرق الأوسط. الصين متضررة من ارتفاع الطاقة والشحن، وواشنطن تحتاج إلى تجنب فتح جبهة اقتصادية كبرى بالتزامن مع حرب إيران. لذلك فإن أي تفاهم أمريكي ـ صيني، حتى لو كان محدودًا، يمكن أن يمنح ترامب مساحة لإدارة أزمات متعددة في وقت واحد.
إذن ماذا نراقب حتى نهاية العام وما الاحداث المهمة وذات الدلالة .
أولًا، طبيعة الانسحاب الأمريكي من العراق. فالانسحاب مقرر بحلول 30 سبتمبر، والذي نشك انه خروج حقيقي فهو إعادة توزيع للقوة خارج العراق.
و ثانيًا، مستوى التصعيد حول هرمز وباب المندب.وثالثًا، شكل العلاقة بين ترامب ونتنياهو بعد الانتخابات الإسرائيلية.و رابعًا، نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية وانعكاسها على هامش حركة البيت الأبيض.و خامسًا، هل يتحول الضغط الاقتصادي على إيران إلى تفاوض وهو مستبعد حاليا أم ستكون جولة عسكرية جديدة بضربات لا أكثر .وسادسًا، هل تستمر أوروبا في التحضير لحرب محتملة مع روسيا بينما تخفض واشنطن بعض أعبائها الأوروبية؟
الأيام المقبلة ليست بالضرورة مقدمة لحرب شاملة، لكنها أيضًا ليست مرحلة استقرار. المقبل الأكثر واقعية هو المراوحة المسلحة، ضربات محدودة، تهديدات مرتفعة، قنوات تفاوض سرية ليست ذات أثر، ضغوط اقتصادية وسياسية، وتجنب متبادل للحظة التي يصبح فيها التراجع أصعب من التصعيد.
لكن الخوف الحقيقي يكمن في الحادث غير المحسوب، تعرض إسرائيل لهجوم صاروخي والرد عليه بقوة كبيرة، وتنفيذ عمليات جوية داخل إيران بصورة منفردة.ضربة تقتل عددًا كبيرًا من الأمريكيين، إغلاق فعلي لهرمز، توسع مفاجئ في اليمن، ضربة إسرائيلية كبيرة، انهيار تفاوضي، أو حادث روسي-أوروبي يفتح جبهة جديدة.
بعد 3 نوفمبر سيتغير الحساب الأمريكي. وبعد 27 أكتوبر سيتغير الحساب الإسرائيلي. لذلك ماذا سيفعل ترامب غدًا، بل أي نسخة من ترامب ستظهر بعد أن تنتهي صناديق الاقتراع من الكلام؟.