الحليم لا ينسى جاراً وقف معه .؟
كتب / طه حسن الأركوازي ||
يقول الله تعالى : ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾ ، وفي هذه الآية تختصر قاعدة أخلاقية تصلح لأن تكون أيضاً قاعدة في العلاقات بين الدول ، فالأمم كما الأفراد تُختبر في قدرتها على تذكّر من وقف معها في أوقات الشدة ، من دون أن تحوّل ذلك الوفاء إلى أرتهان ، أو تحوّل الاختلاف إلى نكران .
وليس الجار مُجرد عنوان جُغرافي ، بل هو جُزء من منظومة الأمن والمصالح والمصير المشترك ، ولذلك فإن العلاقات بين العراق وجيرانه لا ينبغي أن تُقرأ بمنطق العاطفة وحدها ، ولا بمنطق المحاور وحده ، وإنما بميزان المصالح الوطنية وحسن الجوار والاحترام المتبادل .
لقد مرّ العراق خلال العقدين الماضيين بمراحل بالغة القسوة ، وكان تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء عام 2006 محطة مفصلية فجّرت موجة واسعة من العنف الطائفي ، وحذرت الأمم المتحدة آنذاك من أن الحادث أستهدف إشعال الفتنة وتهديد أستقرار العراق ، ثم جاءت صدمة عام 2014 ، عندما تمدد تنظيم داعش وسيطر على مساحات واسعة من البلاد ، فوجد العراق نفسه أمام تهديد وجودي حقيقي ، وفي تلك اللحظة كانت “إيران” من الدول التي سارعت إلى تقديم دعم عسكري وأمني للعراق والأستشاري ، في وقت كانت فيه بغداد بحاجة إلى كُل قُدرة مُتاحة لوقف الانهيار ، وقد رافق ذلك دعم دولي وعسكري محدود من أطراف أخرى ، وهو أمر ينبغي تسجيله أيضاً بموضوعية ، فقد ساهم التحالف الدولي ، بقيادة الولايات المتحدة في إسناد القوات العراقية بالتدريب والتسليح والضربات الجوية خلال معركة داعش .
ومن هنا ، فإن إنصاف التاريخ يقتضي ألا يُمارس العراق الانتقائية في ذاكرته ، من وقف معه في لحظة الخطر يُذكر موقفه ، ومن أخطأ بحقه تُعالج أخطاؤه بالقانون والدبلوماسية لا بالنسيان ولا بالعداء الدائم .
لكن الاعتراف بالفضل لا يعني ، في علم السياسة منح أحدٍ حقاً دائماً في التأثير على القرار الوطني ، فالعلاقات الدولية لا تقوم على العاطفة وحدها ، وإنما على المصالح والسيادة والتوازن . “وإيران” نفسها تنظر إلى العراق بأعتباره جُزءاً مُهماً من منظومتها الأمنية والاقتصادية والإقليمية ، ولذلك فإن فهم الموقف الإيراني يتطلب رؤية المصالح المُتبادلة ، لا أختزاله في صورة المساعدة أو صورة النفوذ وحدها ، وهنا تكمن مسؤولية الدولة العراقية اليوم .
“العراق” ليس مُطالباً بأن يختار بين جاره الشرقي ومحيطه العربي أو الدولي ، بل أن يمتلك سياسة خارجية تجعل الجميع يحترمون مصالحه وسيادته ، فالدولة القوية ليست التي تُعادي جيرانها ، ولا التي ترتهن لمحور ، وإنما التي تستطيع أن تقول لصديقها ، نحن نحفظ معروفك ، لكن قرارنا عراقي ، وتقول لجارها ، نحن نحترم أمنك ، ونطلب منك في المقابل أحترام سيادتنا .
وهذا أكثر إلحاحاً اليوم ، في ظل أضطراب إقليمي ينعكس مُباشرة على العراق ، من أمن الحدود والممرات المائية إلى الطاقة والتجارة وحركة الملاحة ، وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن أي تصعيد إقليمي يمكن أن يتحول سريعاً إلى كُلفة أمنية واقتصادية على بغداد .
والدرس الذي تقدمه تجارب الدول التي خرجت من الحروب والركام واضح ، إعادة بناء الدولة تبدأ حين تتحول الذاكرة من وقود للصراع إلى مصدر للحكمة ، وحين يصبح الجيش والأمن والقانون والمُؤسسات أقوى من نفوذ الأشخاص والمحاور ، وحين تُبنى العلاقات الخارجية على المصالح المتبادلة لا على التبعية .
لذلك ، فإن المطلوب من الطبقة السياسية والحكومة العراقية اليوم ليس إصدار بيانات الوفاء ولا الدخول في معارك المحاور ، وإنما بناء سياسة عراقية مُستقلة ومتوازنة ، تحفظ لمن وقف مع العراق موقفه ، وتفتح أبواب التعاون مع الجميع ، وتمنع أستخدام الأراضي العراقية للإضرار بالآخرين ، كما ترفض في الوقت نفسه أن تكون أرض العراق أو أجواؤه ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية .
أخيراً وليس آخراً .. إن العراق يحتاج إلى أصدقاء كثيرين ، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى أن يعود دولةً قويةً محترمة قادرةً على حماية مصالحها وصيانة قرارها الوطني وسيادته .
وعندما تصبح الدولة قويةً بمُؤسساتها وقانونها وأقتصادها ووحدتها الوطنية ، فلن تكون مُضطرة إلى الاختيار بين جيرانها ، بل سيحرص الجميع على أن تكون علاقاتهم معها قائمةً على الندية والاحترام والمصالح المُتبادلة .
فالوفاء للمواقف لا يعني الارتهان لها ، وحفظ المعروف لا يعني التنازل عن السيادة ، كما أن تجاوز الإساءة لا يعني نسيان الدروس التي صنعتها التجارب .
وعلى الطبقة السياسية والحكومة أن تدرك أن الدولة الحكيمة تحفظ لمن وقف معها موقفه ، وتتعامل مع من أساء إليها وفق القانون والمصلحة الوطنية ، دون خصومة دائمة ودون أرتهان لأحد ، فالعراق لا يحتاج إلى أعداء جُدد ، بقدر ما يحتاج إلى دولة تعرف كيف تحفظ صداقاتها ، وتصون سيادتها ، وتردّ الجميل دون أن تتنازل عن قرارها …!