التعطيل السياسي للقوانين
كتب / دكتور أحمد فاتح محمد
ما قيمة النص التشريعي إذا أُفرغ من روحه التنفيذية؟ وهل يكمن جوهر القانون في مجرد إقراره تحت قبة البرلمان، أم في قدرته الفعالة على صياغة الواقع وحماية النظام العام؟ إن القانون في أصله الفلسفي والدستوري، ليس مجرد تراكم لمواد جامدة أو حبر يراق على الأوراق الرسمية، بل هو تعبير موضوعي عن إرادة الدولة وعقدها الاجتماعي مع مواطنيها. إنه الكائن الحي الذي يستمد مشروعيته وجودته من قدرته على إنتاج الأثر وتسيير الحياة العامة وتأمين المصلحة المشتركة. ولكن، حينما يتحول هذا الكائن إلى رهينة بيد السلطة التنفيذية، التي تملك وحدها مفاتيح تفعيله عبر صياغة اللوائح والأنظمة، فإننا نكون أمام تراجع بنيوي خطير لفكرة الدولة ولأصل الشرعية ذاتها. إن تأخير إصدار اللوائح التنفيذية للقوانين، أو المماطلة المتعمدة في صياغتها، ليس مجرد تقاعس إداري أو عقبة بيروقراطية عابرة، بل هو عملية “قتل رحيم” للتشريع، وأداة سياسية ناعمة لوأده دون حاجة لإلغائه رسمياً. هذه الممارسة تعكس صراعاً صامتاً بين إرادتين: إرادة المشرع التي تمثل السيادة الشعبية والمصلحة العامة، وإرادة النخب السياسية التي ترى في نفاذ القانون قيداً على حركتها وتوازناتها الخاصة. وحين ينتصر التسويف التنفيذي على الصرامة التشريعية، يتداعى مبدأ الفصل بين السلطات، وتتحول السلطة التنفيذية إلى سلطة تشريعية مقنعة، تملك حق إبقاء القوانين في غيبوبة أبدية. هذا الموت الصامت للتشريع يضرب مفهوم علو القانو في مقتل. فالدولة لا تستقيم بوجود القوانين شكلياً، بل بوجود “سيادة القانون” التي تضمن تطبيقاً متساوياً ومجرداً ومستمراً للنصوص. وعندما يعتاد المجتمع على رؤية قوانين تقر وتنشر في الجريدة الرسمية دون أن يرى أثرها على أرض الواقع، يحدث تآكل مريع في جدار الثقة بين الفرد والمؤسسات. يبدأ المواطن بالشعور بالاغتراب تجاه النص القانوني، ويدرك أن التشريع قد تحول من أداة لتحقيق العدالة واستقرار المعاملات إلى مجرد استعراض سياسي فارغ من المضمون. الواقع أن هذا التناقض البنيوي يؤسس لحالة من الفوضى الإدارية حيث يبدو المشهد الخارجي منظماً ومليئاً بالمؤسسات والنصوص، في حين أن الجوهر الداخلي محكوم بالمزاجية والمصلحة الآنية. غياب اللائحة التنفيذية يفرز فراغاً قانونياً تملؤه الإدارة بقرارات اجتهادية استثنائية، مما يفتح الباب على مصراعيه للفساد الإداري والتفرقة في تطبيق الأحكام، ويهدم الأمن القانوني الذي يُفترض أن يحتمي به الجميع. الخروج من هذا المأزق يتطلب إعادة الاعتبار لقدسية النص القانوني وهيبته الدستورية. إن هيبة الدولة تبدأ من هيبة قوانينها، وهذه الهيبة لا تكتمل إلا بالتلازم الحتمي والتوقيت المحدد بين إقرار النص وتشريع تفاصيله الإجرائية. إن حماية القانون من التعطيل السياسي والالتفاف التنفيذي ليست ترفاً فكرياً، بل هي الشرط الأساسي لبقاء العقد الاجتماعي، وضمان ألا تتحول الدولة من كيان موضوعي تحكمه القواعد العامة الثابتة إلى ساحة خاضعة للأهواء والتوازنات الطارئة.