نيويورك والميدان.. كيف غيّرت إيران قواعد التفاوض؟
كتب / نجاح محمد علي
نجاح إيران في نيويورك لا يمكن قياسه بعدد الاجتماعات التي عقدها مسؤولوها، ولا بعدد الكلمات التي قيلت من على منصة الأمم المتحدة. المسألة أعمق من ذلك.
ما جرى في نيويورك خلال الأيام الأخيرة كشف أن الدبلوماسية الإيرانية لم تعد تفصل بين ما يحدث في قاعات الأمم المتحدة وما يحدث في الميدان. بالنسبة إلى طهران، الحرب والتفاوض والملاحة والاقتصاد أصبحت ملفات مترابطة، ومن الصعب أن يُفتح باب في أحدها بينما تبقى الأبواب الأخرى مغلقة.
وهنا تكمن أهمية المشهد.
في الوقت الذي كانت فيه واشنطن تتحدث عن الضغط والعقوبات وعزل إيران، كانت طهران تحاول نقل النقاش إلى سؤال مختلف: ماذا يحدث إذا أصبح الضغط على إيران مكلفاً بالنسبة إلى الجميع؟
هذا السؤال هو الذي وصل إلى نيويورك.
فقد ربطت إيران بوضوح بين أي تقدم دبلوماسي وبين إجراءات عملية، بينها إنهاء الضغوط العسكرية والبحرية والاقتصادية. وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن طهران قدمت مقترحاً يمكن أن يؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام إذا وافقت واشنطن على الشروط الإيرانية. وفي المقابل، أكدت مصادر إيرانية أن طهران لا تريد العودة إلى صيغة التفاوض التي كانت قائمة قبل الحرب.
هنا تغيرت المعادلة.
لم تعد المفاوضات، وفق التصور الإيراني المعلن، مكاناً لتقديم المطالب ثم انتظار الرد. أصبحت المفاوضات نفسها جزءاً من معركة النفوذ.
هرمز لم يعد ملفاً منفصلاً
لماذا أعطت إيران مضيق هرمز كل هذه الأهمية؟
لأن هرمز نقطة تتقاطع عندها الطاقة والتجارة والأمن والسياسة الدولية. ولذلك فإن تعطّل الملاحة فيه لا يبقى شأناً إيرانياً أو أمريكياً، بل يتحول سريعاً إلى قضية تمس أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
وهذا ما جعل هرمز يتحول من ورقة عسكرية إلى ورقة تفاوضية.
المفارقة أن الولايات المتحدة تريد ضمان حرية الملاحة، بينما تريد إيران أولاً ضمان ما تعتبره حقوقها وشروطها قبل إعادة فتح الطريق. وبذلك أصبح السؤال: من سيقدم الخطوة الأولى؟
وهذه هي العقدة الحقيقية في المفاوضات الحالية.
فبينما يبحث الجانبان مساراً تدريجياً يربط إعادة فتح هرمز بتخفيف الحصار الاقتصادي الأمريكي، أظهرت تصريحات المسؤولين من الطرفين أن كلاً منهما لا يريد أن يكون أول من يتخلى عن أوراق الضغط التي يملكها.
لماذا لم تستسلم طهران للضغط؟
يمكن للولايات المتحدة أن تفرض عقوبات، وأن تستخدم قوتها العسكرية، وأن تضغط اقتصادياً، لكن السؤال الذي ظهر في هذه الحرب هو: هل يمكن تحويل كل هذه القوة إلى تنازل سياسي إيراني؟
حتى الآن، الإجابة ليست بهذه البساطة.
طهران لم تعد مستعدة للتفاوض من الموقع القديم، ومحسن رضائي الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني كان أكثر وضوحاً عندما أعلن أن إيران لن تفتح هرمز ولن تعود إلى التفاوض ما لم تتحقق شروطها، وأن واشنطن أمام مهلة محددة للرد.
وهنا يجب التوقف عند كلمة «لا».
ليست «لا» الإيرانية في عهد قائد البلاد الجديد وما رسم من خطوط ووضع من سقوف، كلمة في خطاب سياسي. إنها محاولة لإعادة تعريف نقطة البداية في أي تفاوض مقبل.
واشنطن تريد أن تبدأ من سؤال: ماذا ستقدم إيران؟
أما طهران فتحاول أن تبدأ من سؤال مختلف: ماذا ستقدم الولايات المتحدة أولاً؟
الفرق بين السؤالين هو في الحقيقة جوهر الصراع كله.
من هرمز إلى المحيط الهندي
التلويح بتوسيع دائرة المواجهة البحرية لا يعني بالضرورة أن إيران تريد حرباً مفتوحة بلا سقف وإن كانت أعلنت أنها مستعدة لحرب “يوم القيامة”. لكنه يعني أن طهران تريد أن تقول إن نطاق الأزمة لن يبقى محصوراً في جغرافيا واحدة إذا استمر التصعيد.
ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن بحر العرب والمحيط الهندي.
كلما اتسعت جغرافيا التجارة والطاقة، اتسعت معها الحسابات الأمنية. وأي طرف يريد خوض مواجهة طويلة عليه أن يحسب ليس فقط عدد الصواريخ والطائرات، وإنما أيضاً قدرة خصمه على التأثير في طرق الإمداد والنقل والطاقة.
المعادلة هنا ليست «من يملك البحر؟»، وإنما «من يستطيع أن يجعل كلفة الحرب أعلى من مكاسبها؟».
وهذا هو جوهر الردع.
«لا» رضائي ورسالة ما بعد الحرب
ربما كانت أكثر العبارات دلالة في خطاب محسن رضائي هي أن إيران لا تريد العودة إلى «دبلوماسية الماضي».
بغض النظر عن تقييم هذه السياسة، فإن الرسالة واضحة: طهران تريد أن تدخل أي تفاوض مقبل وهي تعتبر أن ما حدث في الميدان يجب أن ينعكس على طاولة السياسة.
وهذا يفسر التشدد في شروط إعادة فتح هرمز.
فالمسألة بالنسبة إلى إيران ليست فتح المضيق أو إغلاقه فقط، وإنما من يحدد شروط فتحه، ومتى، وبأي مقابل.
عندما يقول المسؤول الإيراني إن الشروط يجب أن تنفذ كاملة وفي وقت واحد، فهو يحاول منع العودة إلى سياسة الوعود المؤجلة والالتزامات المتبادلة التي يمكن لكل طرف تفسيرها بطريقة مختلفة.
وهنا يمكن استعارة مثل فارسي شهير يقول: «كلما كان سقف بيتك أعلى، كان عليك أن تتحمل ثلجاً اكثر ».
إيران رفعت سقف حضورها الإقليمي والدولي، ولذلك باتت تتحمل كلفة أكبر، لكنها في المقابل تقول إن من يطلب منها التراجع عن هذا السقف عليه أن يقدم ثمناً سياسياً وأمنياً واضحاً.
هل تغيرت قواعد التفاوض؟
ربما هذه هي النقطة الأهم.
قبل الحرب، كان يمكن النظر إلى العقوبات والملف النووي والمفاوضات والممرات البحرية باعتبارها ملفات منفصلة.
أما اليوم، فقد أصبحت هذه الملفات متشابكة.
الطريق إلى التفاوض يمر عبر الاقتصاد، والاقتصاد يمر عبر الطاقة، والطاقة تمر عبر الملاحة، والملاحة مرتبطة بالأمن، والأمن أصبح مرتبطاً مباشرة بالميدان.
لهذا لم تعد طاولة المفاوضات وحدها هي مكان التفاوض.
الميدان أيضاً يتفاوض.
وهذه ربما أهم نتيجة سياسية كشفتها معركة نيويورك وهرمز معاً.
ماذا بعد؟
المرحلة المقبلة لن تكون سهلة على أي طرف.
إيران تريد تثبيت ما تعتبره مكتسبات سياسية وميدانية قبل تقديم تنازلات. والولايات المتحدة تريد الحفاظ على أوراق الضغط التي بنتها خلال الحرب. وبين الطرفين تقف دول المنطقة وأسواق الطاقة والممرات البحرية التي لا تستطيع تحمل حرب مفتوحة إلى ما لا نهاية.
لذلك قد نشهد مفاوضات أكثر تعقيداً، ومساومات على مراحل، ورسائل متبادلة عبر الوسطاء، وربما ترتيبات مؤقتة حول الملاحة والعقوبات قبل الوصول إلى تسوية أوسع.
لكن شيئاً واحداً تغير بالفعل: لم تعد إيران تتعامل مع المفاوضات باعتبارها بديلاً عن القوة، كما لا يبدو أنها مستعدة للنظر إلى القوة باعتبارها بديلاً عن الدبلوماسية.
لقد أصبح الاثنان جزءاً من معركة واحدة.
ومن نيويورك إلى هرمز، يبدو أن السؤال لم يعد فقط: ماذا تريد إيران من الولايات المتحدة؟
السؤال الذي فرض نفسه على الطاولة هو أيضاً:
ماذا تستطيع الولايات المتحدة أن تقدم لإيران حتى تعود المفاوضات إلى مسار يمكن أن يستمر؟
وهنا بالضبط تبدأ الجولة الأصعب.