لا تخافوا… الكارثة مدروسة..!
كتب / زيد الحسن ||
في العراق لا تنتظروا الخطة قبل القرار فالخطة عندنا تولد بعد الكارثة ، والقرار يصدر أولًا ثم يجتمع الخبراء ليكتشفوا ماذا فعل القرار ، وكأن الاقتصاد حقل تجارب والمواطن هو فأر التجربة .
المشكلة أن القرار الاقتصادي عندنا يبدو أحيانًا وكأنه رحلة إلى المجهول بلا خريطة ولا طريق احتياطي ، يرتفع الدولار فيقال علينا أن نعالج الوضع فنعالجه بقرار جديد ، ثم ترتفع الأسعار فنكتشف أن القرار له آثار جانبية ثم نبدأ بمعالجة الآثار الجانبية ، وهكذا يتحول الاقتصاد إلى مسلسل طويل لا يعرف أحد حلقته الأخيرة ، وفي كل حلقة يدفع المواطن ثمن التجربة ، بينما أصحاب القرار يكتفون بالقول إن الإجراءات مدروسة ، ومدروسة منذ متى ؟ إذا كانت النتائج دائمًا تفاجئنا بعد صدور القرار ، ولماذا لا تكون هناك خطة تحسب حركة السوق قبل أن يتحرك السوق ؟ ولماذا لا تكون هناك إجراءات جاهزة لحماية المواطن قبل أن تبدأ الأسعار بالصعود بدل أن ننتظر حتى يصبح ارتفاع الأسعار أمرًا واقعًا ؟ ثم نخرج لنطلب من التجار عدم رفع الأسعار وكأن التاجر ينتظر التعليمات الرسمية حتى يعرف أن الدولار ارتفع .
يرتفع الدولار فتقفز الأسعار كأنها كانت تنتظر الإشارة ثم تغلق الأسواق أبوابها ، ويصمت المسؤولون صمتًا مريبًا وبعدها يظهر من يشرح لنا أن الأمور تحت السيطرة بينما المواطن يكتشف أن السيطرة الوحيدة التي يملكها هي السيطرة على ما تبقى من راتبه .
هم يريدون إنقاذ الخزينة وهذه مهمة محترمة جدًا ، لكن يبدو أنهم اكتشفوا أن أسهل طريق لإنقاذها هو إغراق المواطن ، فكلما احتاجت الدولة إلى المال وجدوا جيب المواطن أقرب من أي خطة اقتصادية .
المشكلة ليست في اتخاذ القرار ، بل في أن القرار يأتي بلا حساب واضح لما سيحدث بعده ثم تبدأ الدولة بعلاج النتائج فتحتاج إلى علاج نتائج العلاج ، وهكذا يتحول الاقتصاد إلى مريض يتلقى الدواء حتى ينسى ما هو المرض .
في الدول التي تحترم التخطيط يسألون ماذا سيحدث بعد القرار أما عندنا فيسألون ماذا حدث بعد القرار ثم يشكلون لجنة لدراسة ما حدث ، ثم يصدرون بيانًا يؤكد أن ما حدث كان متوقعًا أصلًا .
والأجمل أن المسؤول يطمئنك بأن الاقتصاد بخير ، بينما السوق يشرح لك عكس ذلك ، والتاجر يرفع السعر والمواطن يقلل مشترياته والراتب يقف في الزاوية متفرجًا على انهيار قدرته الشرائية وكأنه هو الآخر لا علاقة له بالموضوع .
أنقذوا الخزينة كما تشاؤون ولكن لا تجعلوا المواطن هو خطة الإنقاذ الوحيدة ، فالدولة التي تعالج عجزها بإفقار شعبها تشبه من يحاول إنقاذ السفينة بإلقاء ركابها في البحر ، ثم يحتفل بنجاح عملية الإنقاذ .