حين يدفع المواطن ثمن الاختلال الاقتصادي .؟!
كتب / طه حسن الأركوازي ||
لم يعد أرتفاع سعر الدولار في العراق مُجرد رقم يتغير في شاشات الصيرفة ، بل أصبح مُؤشراً يُلامس حياة المُواطن مُباشرة ، ويُؤثر في قُدرته على شراء الغذاء والدواء وتأمين مُتطلبات الأسرة ، ومع أتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية ، تتحول حركة سعر الصرف إلى عامل ضاغط على الأسواق ، وعلى قيمة الدخل الحقيقي للموظف والمتقاعد والطبقة الوسطى ، وقد أظهرت تقارير أقتصادية عراقية حديثة أن أضطراب سعر الصرف يرتبط بعوامل مالية وأقتصادية ونقدية مُتداخلة ، وأن أنعكاساته تمتد إلى القوة الشرائية والنشاط التجاري .
وفي مثل هذه الظروف تبرز أهمية الصوت الاقتصادي المُتخصص الذي يضع المواطن في مركز التحليل بعيداً عن التهويل أو التبرير ، فالقضية ليست في أرتفاع الدولار وحده ، وإنما في قُدرة الاقتصاد الوطني على إمتصاص أثره ، وفي مدى إستعداد الدولة لحماية المُجتمع من النتائج المعيشية لأي سياسة نقدية أو مالية .
المُشكلة الأعمق أن الاقتصاد العراقي ما زال شديد الاعتماد على النفط والاستيراد ، فيما لم يبلغ الإنتاج المحلي الزراعي والصناعي المُستوى الذي يُؤهله لتوفير قاعدة أقتصادية واسعة ومُستقرة ، ولذلك فإن أي أضطراب في سعر الصرف أو حركة التجارة الخارجية يُمكن أن ينتقل سريعاً إلى أسعار السلع والخدمات ، وهذا ليس أستنتاجاً نظرياً فقط ،،فخطة التنمية الوطنية العراقية نفسها تشير إلى الآثار التضخمية التي رافقت تغييرات سابقة في سعر الصرف ، وأنعكاسها على مستوى المعيشة وتوقعات التضخم .
ومن هنا ، فإن المواطن حين يقول :
« راتبي لم يتغير ، فلماذا لم يعد يكفيني .؟» ، فإنه يطرح السؤال الاقتصادي الأكثر أهمية ، فالراتب الاسمي قد يبقى ثابتاً ، لكن قيمته الحقيقية تنخفض عندما ترتفع الأسعار .
والموظف لا يعيش على الرقم المكتوب في كشف الراتب ، وإنما على ما يستطيع ذلك الرقم شراءه ، والمتقاعد أكثر حساسية لهذه المعادلة ، لأن هامش تعويض أنخفاض دخله محدود ، فيما تواجه الطبقة الوسطى خطر تآكل مُدخراتها وقُدرتها على الاستهلاك والاستثمار .
ولا ينبغي النظر إلى السوق الموازية بوصفها سبباً مُنفرداً للأزمة ، فهي في كثير من الأحيان نتيجة لتداخل عوامل مُتعددة ، منها الطلب على العملة الأجنبية ، وحركة التجارة الخارجية ، والقيود المالية ، والتوقعات ، والمُضاربة ، والفجوة بين السعرين الرسمي والموازي .
وقد أشار البنك المركزي العراقي في بيانات سابقة إلى أرتباط جُزء من نشاط السوق غير الرسمي بعمليات التحويل الخارجي غير الأصولية والمُضاربة .
لذلك فإن المُعالجة المُستدامة لا تكون بإجراء نقدي مُنفرد ، ولا بتحميل السوق أو المواطن وحده كُلفة الاختلال ، وإنما بحُزمة مُتكاملة تبدأ بضبط المالية العامة ، وتحسين إدارة الإيرادات ، وتقليل الإنفاق غير المُنتج ، وتعزيز الرقابة على الأسواق ، وتطوير القطاع المصرفي ، ودعم الإنتاج الزراعي والصناعي ، وتشجيع الاستثمار ، وتنظيم الاستيراد ، وخلق بيئة أقتصادية تُقلل أعتماد العراق على الخارج .
وتثبت تجارب الدول التي خرجت من الحروب والأزمات أن النهوض لا يبدأ من مُعالجة الأعراض فقط ، بل من إعادة بناء الاقتصاد على أُسس الإنتاج والانضباط المالي والثقة بالمُؤسسات ، فحين يصبح الإنتاج المحلي أقوى ، والإدارة أكثر كفاءة ، والإنفاق العام أكثر أرتباطاً بالتنمية ، تقل قدرة الصدمات الخارجية على تحويل حياة الناس إلى رهينة لتقلبات السوق .
العراق يمتلك الموارد والطاقات البشرية والموقع الاقتصادي الذي يُؤهله لبناء أقتصاد أكثر توازناً ، لكن ذلك يحتاج إلى رؤية وطنية تتجاوز الحلول الآنية ، وتتعامل مع سعر الصرف بأعتباره جُزءاً من منظومة أقتصادية كاملة ، لا أداة منفصلة عن حياة المجتمع .
أخيراً وليس آخراً .. إن حماية المواطن لا تعني تثبيت الأسعار بأي ثمن ، كما لا تعني رفض الإصلاح الاقتصادي ، وإنما تعني أن يكون الإصلاح محسوب الكلفة واضح الأهداف ومتدرجاً بحيث لا تتحول المُعالجة المالية إلى أزمة معيشية ، وإذا كانت الحكومة جادة في حماية القوة الشرائية للمواطن ، فعليها أن تضع حلولاً عملية ، من بينها دراسة أعتماد الراتب الدولاري المُحاسبي للموظفين والمتقاعدين ، بحيث تُحتسب الرواتب وفق قيمتها بالدولار وبالسعر الرسمي للدولة ، وتُدفع بالدينار وفق ذلك السعر ، بما يحدّ من تآكل الدخل ويحمي المواطن من تقلبات سعر الصرف ، إلى جانب ضبط الإنفاق العام، وتنويع الإيرادات، ودعم القطاعات الإنتاجية ، ومُراجعة سياسة الاستيراد ، ومُكافحة الهدر والفساد المالي ،
فالدولة القوية ليست التي تتجنب الأزمات ، بل التي تديرها بعدالة ، وتتحمل كُلفة الإصلاح بصورة مُتوازنة ، وتحمي الفئات الأكثر تأثراً بها .؟
ويبقى التحدي الحقيقي أمام العراق هو الانتقال من أقتصاد ريعي يعتمد على النفط إلى اقتصاد متنوع يصنع موارده ، ومن إدارة الاختلالات المُؤقتة إلى بناء دولة أقتصادية قادرة على حماية حاضر المواطن وصناعة مُستقبل الأجيال …!