خزينة تُنقذ ومواطنون يُغرقون.. هل أصبح العراقي قارب نجاة لحكومة فاشلة ؟
كتب / د. ياس الأحمد ...
لم يعد الدولار في العراق مجرد رقم على شاشة صيرفة، ولا مجرد ورقة خضراء ترتفع في السوق ثم تهبط، الدولار أصبح مرآةً لما يجري في الاقتصاد، وكلما ارتفع سعره انكشفت أمام العراقيين كلفة القرارات والسياسات التي يدفعون ثمنها من قوتهم ومدخراتهم وقدرتهم على العيش.
وحين يقترب سعر صرف المئة دولار من 180 ألف دينار في السوق، فإن السؤال لم يعد: كم أصبح الدولار؟، بل: من سيدفع فاتورة هذا الارتفاع؟
المواطن هو الذي يذهب إلى السوق فيجد الأسعار قد سبقت راتبه، وهو الذي يشتري الدواء والغذاء ويدفع أجور النقل والإيجار، ثم يسمع أن على الجميع أن يتحملوا من أجل إنقاذ الخزينة.
نعم، إنقاذ الخزينة ضرورة. ولا أحد عاقل يمكن أن يعترض على حماية مالية الدولة ومنع الانهيار أو معالجة العجز، لكن هناك فرقاً هائلاً بين إنقاذ الدولة وبين تحميل المواطن وحده كلفة الإنقاذ.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الدولة من البحث عن حلول حقيقية إلى البحث عن جيب المواطن باعتباره الحل الأسهل.
فالخزينة لا تُنقذ بإفقار الناس، كما أن السفينة لا تُنقذ بإلقاء ركابها في البحر ثم إعلان الانتصار لأن وزنها أصبح أخف.!
وهذه هي المفارقة التي ينبغي أن تُطرح أمام الحكومة ورئيسها: إذا كانت معالجة الأزمة المالية تقتضي إجراءات مؤلمة، فأين نصيب الهدر والامتيازات والإنفاق غير الضروري والفساد والاقتصاد الريعي من هذه الإجراءات؟ ولماذا يكون المواطن أول من يدفع وآخر من يُسأل؟
إن الدولة القوية ليست التي تستطيع أن تزيد إيراداتها من المواطن، وإنما التي تستطيع أن تزيد مواردها من الإنتاج، والاستثمار، وتنويع الاقتصاد، وإيقاف الهدر، ومكافحة الفساد، وإدارة المال العام بكفاءة.
أما أن يُلقى المواطن في البحر، ثم تقف الحكومة على سطح السفينة لتحتفل بأنها نجحت في إنقاذها، فذلك ليس إنقاذاً.