الدولار عدو الفقراء
كتب / د. باسل عباس خضير ...
الفقر ليس حالة يتفرد بها العراق ، فهو موجود في غالبية البلدان ، ويشير لعدم قدرة الإنسان في الحصول على دخل كاف لتلبية الحد الأدنى من متطلباته الأساسية للعيش الكريم ، وللفقر أنواع ومستويات ، فالفقر المدقع يشير لعدم أمكانية الفرد بتامين أساسياته من الأكل والماء للشرب والمأوى والرعاية الصحية ، والبنك الدولي يحدد معيارا لهذا النوع من الفقر ، فيدخل من ضمنه من يعيش بأقل من 2.15 دولار باليوم ، والنوع الآخر هو الفقر بالمقارنة والذي يكون فيه الفرد فقيرا نسبيا ، عندما يكون يقل دخله عن متوسط الدخل السائد في البلاد ، أما الفقر متعدد الإبعاد ، فهو ليس فقرا بنقص الأموال فحسب وإنما مقترن بحرمان تعليمي ( لا يستطيع أن يكمل دراسة أساسية ) ، و حرمان صحي ( سوء تغذية ، لا يملك تامين صحي ) ، و حرمان معيشي ( نقص في كهرباء ، الماء غير صالح للشرب ، سوء الصرف الصحي ، السكن مكتظ جداً ) ، وحسب بيانات وزارة التخطيط ونتائج المسح ( الاجتماعي-الاقتصادي ) للأسرة ، فإن نسبة من سكان العراق يعيشون تحت خط الفقر .
والفقر ليس حديث العهد على البلاد ، بل توارثناه من أجيال لعدة أسباب ، أبرزها الإهمال الذي عاشه البلد لعقود ، وتوجهه لإنفاق اغلب أمواله في الحروب ، وما تلا ذلك من هدر في الأموال ، ونتاج كل ذلك ، ضعف او عدم قدرة البنى التحتية على تلبية احتياجات نسبة من السكان ، ونتيجة التشوه الحاصل في هيكل الاقتصاد الوطني ، فقد تحول إلى اقتصاد ريعي يعتمد على إيرادات النفط لتمويل معظم النفقات ، والريعية جعلت اغلب ما يأتي للبلد من دولار النفط يعاد للخارج من خلال الاستيراد ، بما جعل البلد ينتج اقل مما يحتاجه الشعب والمؤسسات ، والاستيراد جعل الدولرة ( التسعير بالدولار ) تسود في التعاملات ، مما جعل الدولار يعني الكثير للعراق و يؤثر بشكل وآخر على حياة مواطنيه ، ولان الدولار عندنا مصدر رئيس للتمويل ، فانه يتأثر بالطلب العالمي على النفط ، والتغير بسعر البرميل ،والانصياع لقرارات اوبك + فيما يتعلق بحجم الإنتاج والتصدير ، فضلا عن الظروف الإقليمية والعالمية التي تؤثر على التصدير .
والتغييرات التي تحصل للدولار تضعف القدرات الشرائية لغالبية الشعب ، وبالأخص العاطلين و محدودي الدخل من الموظفين والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية وغيرهم ، لان مصلحتهم باتت ترتبط بمدى الاستقرار في الأسعار وتامين ما يستطيعون تدبيره من متطلبات ، واغلب الفقراء يكرهون الدولار ، فهم يشعرون بالتهديد حين تتخذ قرارات لتغيير أسعار صرفه مقابل الدينار ، وهو تهديد حقيقي على غالبية السكان بعكس الأغنياء وفاحشي الثراء ، لما سيترتب على ذلك من نقص في قدراتهم للعيش ، في ظل ثبات او انخفاض الدخل الذي يحصلون عليه ، وضعف قدرة الدولة على تحسين الرواتب والإعانات ، فهم يشكون ضنك المعيشة بأسعار السلع والخدمات السائدة ، ويطالبون بزيادة الرواتب منذ سنوات ، فكيف سيكون الحال عندما تتضخم الأسعار من تغيير سعر الصرف بأية مستويات ؟ ، و تغيير أسعار الصرف يعتبرها ( البعض ) من البدائل المتاحة لزيادة الإيرادات ، وفي حقيقة الأمر لا يمكن أن يكون ذلك حلا مثاليا او مقبولا ، لان تحميل الفقراء كلفة المشكلات المالية عبر تغيير أسعار الصرف ، هو الأكثر قسوة والأعلى كلفة على الاستقرار الأمني والاجتماعي بكل المديات .
وتغيير سعر صرف الدولار من 1300 دينار إلى 1500 دينار لكل دولار ، الذي صدر بتوافق الحكومة مع البنك المركزي و عد نافذا من 7 تشرين الأول 2026 ، لم يكن قرارا مفاجئا للكثير ، فهناك من كان يلوح ويروج له في انه احد الحلول للازمات المالية التي تعاني منها مالية البلاد ، ويبدو إن الحكومة قد عولت عليه كأحد الخيارات ، ومن وجهة البعض فانه ليس الخيار الأنسب من حيث التأثير والتوقيت ، فالسعر المعلن ( 1520 ) لا يمكن أن يكون تحت سيطرة الجهات المعنية بأي حال من الحالات ، بدليل إن السعر السابق 1320 لم يطبق إلا في التعاملات الرسمية ، وأسعاره في السوق الموازي قبل أيام وصل إلى 1600 ، وتأسيسا على ذلك ، فان السعر الذي يسود سيكون بأكثر من 1700 ، وهو ليس رقما مجردا وانما تحديد وخطرا سيؤثر على كل متطلبات الحياة ، ف ( الدولرة ) تعشعش في الأسواق ، والحالة المعتادة منذ كل تغيير للدولار ، أن تزداد الأسعار بأكثر من الزيادة بأسعار الصرف دون انتظار ، ومن حيث التوقيت فانه لم يكن مناسبا ، لان الأسواق شهدت ارتفاعا بحدود 10- 40% قبل شهور بزيادة الرسم الكمركي ، مما يعني مضاعفة المعاناة ، ولا نعلم كيف ستتم مجاراة هذه الأسعار لنسبة مهمة من السكان ، ليس الموظف فحسب بل أصحاب الاعمال بكل القطاعات ، اخذين بالاعتبار ما تشهده الأسواق من ركود وكساد .
ورغم إن الجميع ، يقف ويساند بناء اقتصادا وطنيا يعالج مشكلات العجز والمديونية وغيرها من التراكمات ، إلا إن ذلك يحتاج لولوج حلول ابتكاريه وإبداعية لا تسلخ جلود الفقراء ، والحلول الناجعة تكون بتفعيل قطاعات الاقتصاد الوطني ، للزراعة والصناعة والسياحة وتوظيف الموارد وتقليل الاستيراد ، والمعالجة الشاملة والشجاعة للفساد ، ومن واجبات الحكومة ( الحالية ) التي يعول عليها الكثير في إحداث تغيير نافع ومفيد ، حماية البلاد والفقراء من الانعكاسات المتوقعة لهذا القرار ، والمباشرة بإتباع إصلاحات رشيدة وتنفيذ إجراءات لجلب لقمة العيش وبعدها الرفاهية والسعادة للجميع .