سجن الذهب الأسود: كيف يواجه العراق شبح أزماته المالية المتكررة؟!
كتب / مصطفى جمال الخفاجي ||
في بلد تُعبُّ ثرواته من باطن الأرض لتتحول فوراً إلى رواتب واستهلاك، يعيش الاقتصاد العراقي على صفيح ساخن. فكلما انخفضت أسعار النفط العالمية أو حدثت هزة في الأسواق، حبست بغداد أنفاسها ودخلت في نفق مظلم من الأزمات المالية. المشكلة ليست في شح الموارد، بل في بنية اقتصادية هشة جعلت الدولة رهينة لبرميل النفط.
اقتصاد الريع: دولة واحدة ومصدر واحد
تتجلى المعضلة الكبرى في العراق في اعتماده المطلق على “اقتصاد الريع”، حيث تشكل عائدات النفط أكثر من 90% من إيرادات الموازنة العامة. هذا الاعتماد الأحادي أدى إلى غياب أي مصادر حقيقية بديلة للدخل، مثل الضرائب المنظمة، أو الإنتاج الصناعي، أو العائدات الزراعية.
ومع تضخم القطاع الحكومي ليصبح الموظف الأكبر في البلاد، باتت موازنة الدولة تبتلع الجزء الأعظم من الإيرادات لصالح النفقات التشغيلية. وفي المقابل، أدى غياب الدعم الحقيقي والبيروقراطية إلى خنق القطاع الخاص، لتتحول الأسواق العراقية إلى ساحة استهلاكية لكل ما هو مستورد، مما ينزف العملة الصعبة نحو الخارج ويقضي على أي فرصة للإنتاج المحلي.
انعكاسات قاسية على المواطن
لا قصر تأثير الأزمات المالية على الأرقام في البنوك أو تقارير البنك المركزي، بل تمتد لتضرب بعمق معيشة المواطن اليومية. فقد أدى تذبذب أسعار الصرف وموجات التضخم إلى تآكل واضح في القوة الشرائية للدينار العراقي، مترافقة مع تراجع حاد في الخدمات الأساسية نتيجة توقف آلاف المشاريع الاستراتيجية من بنى تحتية ومستشفيات. كما زادت نسب البطالة بين الخريجين والشباب مع عجز الدولة عن توفير تعيينات جديدة وغياب الاستثمار الحقيقي.
مخرج إجباري: نحو اقتصاد منتج
يؤكد الخبراء الاقتصاديون أن الخروج من هذه الحلقة المفرغة لم يعد رفاهية، بل هو ضرورة حتمية لضمان الاستقرار. ويتطلب ذلك:
* التنويع الاقتصادي: تفعيل القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة.
* إصلاح النظام المصرفي: ربط البنوك بالنظام المالي العالمي لتشجيع الاستثمار.
* ضبط المال العام: مكافحة الفساد، وإحكام السيطرة على المنافذ الحدودية، ووقف هدر العملة الصعبة.
إن العراق ليس بلداً فقيراً، بل هو بلد غني بثرواته، لكنه بحاجة عاجلة إلى شجاعة سياسية وإدارية تنتقله من “دولة الإنفاق الاستهلاكي” إلى “دولة الإنتاج والتنمية”.