حين يسحق مكر التاريخ خطط الإمبريالية بغتة
كتب / د. ادريس هاني
لا شيء يمكنه إيقاف المسار العميق لمكر التاريخ؛ الإمبريالية تتفكك من الداخل، بشروط قاسية، لا يمكن فهمها إلا بمنطق قانون القصور الذاتي، وذلك لسبب بسيط، هو اختلاف وتناقض المصالح بين مكونات الكتلة الغربية، مكونات يأكل بعضها البعض؛ فالكيان الذي زرعوه ليكون جبهة متقدمة لخدمة مصالح الإمبريالية، هو نفسه من يسهل عملية سقوطها.
يبدو أن الجزء الأكبر من قدرة الإمبريالية اليوم هو إيهام الأمم الأضعف تلويحا وتهديدا، لكنها لا تملك في كل تاريخها وصفة لرفع المناعة ضد المقاومة. ستظل المقاومة هي عقدة الإمبريالية وخيبة أمل لأذرعها البهلوانية، ما ظهر منها وما بطن.
إن حساب وتوقيت سقوط الإمبريالية ليس وجهة نظر تحددها التمنيات، بل هي حقيقة يحددها مكر التاريخ، ولكن الحكم المسبق لسنن التاريخ يؤكد على حتمية انهيار قوى الهيمنة، وهذا هو الملهم الأكبر لقوى الصمود.
لقد شاخت الإمبريالية فصارت حيزبونا تراهن على التوقيت اليومي لتحقيق أهداف مستحيلة على المدى القصير. إنها تنتهك الزمن الفيزيائي الموضوعي، حين دخلت مرحلة التخييل والهذيان. هذا الارتباك في مقدرات الهيمنة، هو ارتباك اقتصادي واجتماعي وروحي، وبالجملة هو حضاري بامتياز. نحن في الذروة التي تؤشر على بدايات انهيار كبير في منظومة الهيمنة، سيكون ذلك هو عزاء من قضى وضحى من المستضعفين في الأرض.
إن مجرد التلويح باستعمال السلاح النووي هو مؤشر على إفلاس الإمبريالية؛ فقد كانت القوة العظمى تحسم معاركها في البر، لكنها اليوم لا زالت معلقة بين السماء والأرض؛ إنها تفتك بالمدنيين وبنياتهم التحتية، لكنها غير قادرة على حسم المعركة.
يمكن أن تنسج الانتهازية في المنطقة سردية تسلي بها نفسها، لكنها لن تستطيع رد مكر التاريخ ولا تستطيع أن تقنع أجيالا بما لا يصح من السرديات المزيفة، ستستقبل هذا التاريخ بوعي مختلف مهما طغت أساليب كي الوعي.
سيستمر صمود إيران قذى في عين قوى الهيمنة والاحتلال، وشجى في حلق محاورها. لكن هنا وفي زفير الصامدين وآهات المعذبين وطهارة دماء الشهداء ترسم ملامح الانتصار الحقيقي بعيدا عن حسابات بورصة القيم وسوق الأسهم ومعارض المزاد العلني لثروات الشعوب السليبة؛ هنا وهنا فقط يكتب التاريخ نهايته بمداد الأحرار وطلائع الكفاح الوطني.
ليس مهما وجود خسارة في جولة انتخابية كالتي تكبدها الإمبراطور الأحمق ومجرم الحرب، فهذا مؤشر على تشقق النسق الهيمني، لكن أيا كان القادم، لن يكون أرحم بالمنطقة من سلفه, فليس في مكونات الإمبريالية ونسقها أملس.
التلويح بالنووي تأكيد على فشل الحرب على إيران، وفي الوقت نفسه قرار مستحيل تحت طائلة قواعد الاشتباك النووي، إذ أن قرارا كهذا قد يفتح المجال لفوضى نووية عارمة، أقلها احتمالا:
– روسيا وأوكرانيا
– روسيا وأوروبا
– الصين وتايوان
– كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية…
ومع ذلك، فإن حربا نووية افتراضية ضد إيران لن تحسم المعركة ضدها، هناك ما هو أقوى من النووي، هي إرادة التحرر وإشعاع الشهادة.
اليوم ما هو واقعي حقا، هو قوة الصمود بكل عناوينها الواضحة، غير أن ما ليس واقعيا في هذه المواجهة، هو إصرار قوى الهيمنة والاحتلال على تكرار الفشل؛ فيوما بعد يوم، تصبح صورة انتصار قوى الهيمنة في هذه الحرب أقرب ما تكون إلى الخيال. سنشهد لهاث الإمبريالية أكثر فأكثر، حيث النهاية باتت واضحة حتى لمن لا عهد لهم بالحرب.