العراق بين مطرقة "الفيدرالي" وسندان السياسة.. هل تحول الدولار إلى سلاح لانتزاع المواقف؟
المعلومة/ تقرير..
لم تعد أزمة سعر صرف الدينار العراقي مجرد اختلال في العرض والطلب داخل "بورصة الكفاح"، بل تحولت في نظر مراقبين إلى انعكاس للاشتباك السياسي المحموم بين بغداد وواشنطن. فخلف الأرقام المتذبذبة، تبرز تساؤلات جوهرية عن مدى قدرة الدولة العراقية على "الفكاك" من الهيمنة النقدية الأمريكية التي باتت تلوح بـ"الورقة المالية" كلما استعصت الملفات السياسية والأمنية.
الاقتصاد كرهينة.. البنية الهشة والابتزاز المالي
يرى الخبير الاقتصادي، هيثم العنبكي، أن المشهد الحالي يتجاوز فكرة "التذبذب الطبيعي". وفي تحليل أعمق للموقف، يشير العنبكي إلى أن "الاختلالات البنيوية" في الاقتصاد العراقي – كونه اقتصاداً ريعياً يعتمد كلياً على مبيعات النفط – جعلت من البلاد "ساحة مكشوفة" للابتزاز بالورقة المالية.
ووفقاً للعنبكي، فإن التهديدات الأمريكية والتوترات الإقليمية لا تصيب الدولار فحسب، بل تضرب "الأمن الغذائي" في مقتل، حيث تتحرك أسعار المواد الأساسية في الأسواق المحلية فور صدور أي رسائل سياسية من الخزانة الأمريكية. هذا "الارتباط الشرطي" بين السياسة ورغيف الخبز يضع الحكومة في زاوية حرجة أمام ضغط الشارع.
سلاح "الفيدرالي".. قراءة في أرقام يناير 2026
بالنظر إلى البيانات، تبدو الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي (التي بلغت 15% في يناير 2026) بمنزلة "ترمومتر" للعلاقة بين بغداد ونيويورك. قيود الخزانة الأمريكية على حركة الأموال ليست مجرد إجراءات تقنية لتدقيق الحوالات، بل يراها محللون "فيتو" تقني يتحكم في وتيرة التنمية والسيولة.
وتشير وزارة التخطيط إلى ارتفاع التضخم بنسبة 6%، وهو ما يفسره محللون بأنه "ضريبة السيادة" التي يدفعها المواطن نتيجة الصراع على تدفقات العملة الصعبة. فالعراق، الذي تودع أمواله في حسابات البنك المركزي لدى نيويورك، يجد نفسه في مفارقة قانونية وتاريخية: يمتلك المال، لكنه لا يملك حرية التصرف فيه دون "ضوء أخضر" أمريكي.
تسييس النقد.. من العسكر إلى المصارف
سياسياً، يذهب النائب أحمد الشرماني إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن واشنطن انتقلت من "التدخل العسكري المباشر" إلى "التدخل النقدي الناعم". ويؤكد الشرماني لـ/المعلومة/أن الضغط الاقتصادي يُستخدم اليوم أداة لتشكيل الخارطة السياسية، وتحديداً في ملفات سيادية مثل اختيار رئيس الوزراء وتوجهات الحكومة الخارجية.
ويعكس هذا الطرح اتهاماً صريحاً للحكومات السابقة بإهمال "التحصين الاقتصادي"، ما ترك العراق دون "مصدات مالية" تحميه من تقلبات المزاج السياسي في واشنطن. فالدولار هنا ليس مجرد عملة، بل هو "ناقل للرسائل السياسية" التي تهدف لفرض إرادات محددة في التشكيلة الحكومية القادمة.
المآلات.. هل يملك العراق خيار "التمرد النقدى"؟
تطرح الأزمة الحالية سيناريوهات معقدة؛ فبينما تدعو القوى الوطنية إلى "رص الصفوف" وتقليل الاعتماد على العملة الصعبة، يصطدم الواقع التقني بارتباط النظام المصرفي العراقي بنظام "سويفت" العالمي والسيطرة الأمريكية المطلقة على مبيعات النفط.
ويشار إلى أن العراق يقف أمام ضرورة "إعادة تعريف" علاقته المالية مع العالم. فهل ينجح في بناء اقتصاد موازٍ يقلل التبعية، أم سيبقى "الدينار" رهينة في يد الخزانة الأمريكية، تُحركه وفقاً لبوصلة المصالح الجيوسياسية في المنطقة؟. انتهى / 25 ز