معركة السيطرة على الثروات.. صفقات الطاقة الامريكية تعيد رسم خريطة اقتصاد العراق
المعلومة/ تقرير..
منذ عام 2003 وحتى اليوم، تتحكم واشنطن بالنظام المالي العراقي، وتفرض نفوذاً واسعاً على مفاصل الاقتصاد، ولا سيما قطاعي النفط والطاقة، الأمر الذي انعكس، على الواقع الاقتصادي للبلاد.
ومن أبرز تداعيات ذلك تقييد الحوالات المالية وعزل عدد من المصارف المحلية، ما أسهم في تراجع قيمة الدينار وارتفاع معدلات التضخم. وبالتوازي مع هذا الخناق المالي، يواجه قطاع الطاقة تحديات مستمرة نتيجة هيمنة الشركات الأمريكية على عقود صيانة الكهرباء، إلى جانب العقبات المتعلقة بدفع مستحقات الغاز المستورد لتشغيل محطات الإنتاج.
وقد أسهمت هذه الأزمات المتداخلة في إبطاء نمو القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الصناعة والزراعة، بما عزز اعتماد البلاد على الاقتصاد الريعي.
الأرقام السيادية واختراق البنية الدستورية
تتحرك كبرى الشركات الغربية، وفق مراقبين، عبر استراتيجية الاستحواذ لفرض واقع اقتصادي جديد في العراق، إذ أعلنت شركة كونوكو فيليبس الأمريكية استحواذها رسمياً على حصة تبلغ 42% في شركة "بي بي إنرجي المحدودة" العاملة في كركوك.
ويرى مختصون أن هذه النسبة لا تمثل مجرد استثمار تجاري، بل تثير تساؤلات قانونية بشأن مدى انسجامها مع نصوص الدستور العراقي المتعلقة بالثروات الوطنية. كما يرون أن اعتماد نظام الأسهم في مثل هذه الصفقات يمنح الشركات الأجنبية نفوذاً مؤثراً في مستقبل إدارة قطاع النفط والغاز، بما قد ينعكس على السيادة التشريعية والاقتصادية للبلاد.
المكامن النفطية واحتكار البيانات الرقمية
ويمتد هذا التوسع ليشمل عدداً من أهم المكامن الجيولوجية في شمال العراق، حيث تستهدف الاتفاقية إعادة تطوير أربعة حقول نفطية رئيسية في محافظة كركوك. وتشير التقديرات إلى أن هذه الحقول تضم احتياطيات قابلة للاستخلاص تتجاوز ثلاثة مليارات برميل من المكافئ النفطي.
ويرى مختصون أن خطورة المشروع لا تقتصر على حجم الاحتياطيات، بل تمتد إلى السيطرة على البيانات الرقمية وخوارزميات المحاكاة الخاصة بهذه المكامن، ضمن جدول زمني يمتد حتى نهاية عام 2026، وهو ما قد يرسخ حالة من التبعية التقنية في إدارة هذا القطاع الحيوي.
التكلفة الصفرية وعزل القطاع الوطني
وفي المقابل، تشير تفاصيل الاتفاقية، إلى اعتماد نموذج اقتصادي يقوم على ما يعرف بـ"رأس المال الصفري" خلال المراحل الأولى، بما يسمح للشركات الأمريكية والبريطانية باسترداد تكاليفها الاستثمارية من عوائد النفط العراقي، وتحقيق أرباح دون ضخ سيولة خارجية كبيرة في بداية المشروع.
وفي الوقت نفسه، تبقى الكوادر الوطنية في شركتي "نفط الشمال" و"غاز الشمال" ضمن أدوار تشغيلية تقليدية، مع محدودية مشاركتها في نقل التكنولوجيا الحديثة، الأمر الذي قد يحول هذه الحقول إلى مناطق نفوذ اقتصادي وتقني طويل الأمد.
تجاوز محددات الدستور
وفي هذا السياق، أكد الخبير القانوني إياد التميمي أن الدستور العراقي يمنع الشركات الأجنبية من امتلاك حصص في ثروات الطاقة العراقية، مشيراً إلى أن إدارة الموارد الطبيعية يجب أن تتم وفقاً لأحكام الدستور والقوانين النافذة.
وقال التميمي، في تفسير قانوني لوكالة /المعلومة/، إن "الدستور العراقي يعد النفط والغاز من الثروات الوطنية المملوكة للشعب العراقي، وبالتالي لا يجوز منح الشركات الأجنبية حصصاً في هذه الثروات بما يخالف النصوص الدستورية".
وأضاف أن "أي اتفاق أو عقد يمنح جهات أجنبية حقوقاً تتعارض مع أحكام الدستور يستوجب مراجعة قانونية للتأكد من انسجامه مع القوانين النافذة، وبما يضمن حماية الثروات الوطنية والحفاظ على السيادة على الموارد الطبيعية".
تحذيرات من استمرار الوصاية الأمريكية
وبالتزامن مع هذه التحركات، برزت تحذيرات نيابية من خطورة استمرار الهيمنة الأمريكية على قطاعي النفط والطاقة، وانعكاس ذلك على الاقتصاد الوطني.
وفي هذا الشأن، حذر النائب حامد عباس من استمرار الهيمنة الأمريكية على الاقتصاد العراقي، مؤكداً أن هذه الهيمنة أسهمت في خلق أزمات اقتصادية أثرت في مسار التنمية والاستقرار المالي.
وقال عباس، في تصريح لوكالة /المعلومة/، إن "الولايات المتحدة تعمل منذ عام 2003 على فرض هيمنتها على الاقتصاد العراقي من خلال التأثير في النظام المالي"، مؤكداً أن "هذه الهيمنة تسببت في أزمات اقتصادية انعكست على معدلات التضخم وأبطأت وتيرة النمو الاقتصادي".
وشدد على "ضرورة تحرر العراق من هذه الهيمنة والعمل على بناء نظام اقتصادي مستقل ومستقر بعيداً عن أي وصاية خارجية"، مشيراً إلى أن "تعزيز استقلال القرار الاقتصادي وتقليل التدخلات الخارجية من شأنه أن يحد من النفوذ الأجنبي ويعزز السيادة الاقتصادية للبلاد".
وأضاف أن "الشركات الأمريكية تستحوذ على حصة كبيرة من الاستثمارات في قطاعي النفط والطاقة، الأمر الذي يمنحها نفوذاً واسعاً في هذا القطاع الحيوي"، معتبراً أن "استمرار هذا الواقع قد يضع الاقتصاد العراقي تحت تأثير الضغوط والإملاءات الخارجية".
وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات إلى مراجعة السياسات الاقتصادية والعقود المرتبطة بالثروات الوطنية، بما يضمن حماية السيادة وتعزيز استقلال القرار الاقتصادي. ويرى مختصون أن إدارة الموارد وفق الدستور والمصلحة الوطنية تمثل الركيزة الأساسية لبناء اقتصاد مستقر يحفظ حقوق الأجيال المقبلة.انتهى/25 ز