"عملة مريضة" بأثواب جديدة.. حذف الأصفار هل ينقذ الدينار أم يُجمّل الأزمة؟
المعلومة / تقرير ..
بين الحين والآخر، يتردد في الأوساط الاقتصادية والسياسية العراقية مقترح حذف الأصفار من العملة واستبدالها كحل ، لإنهاء التضخم وتبسيط المعاملات الحسابية، ومع تذبذب أسعار الصرف واستمرار أزمة السيولة النقدية وضغوط الدين العام، يجد المواطن العراقي نفسه حائراً بين وعود الاستقرار الحكومية ومخاوف التضخم الحقيقية، فهل يمثل تغيير العملة المحلية وحذف أصفارها طوق نجاة حقيقي للاقتصاد المنهك، أم أنه مجرد إجراء تجميلي لعملة مريضة لن يحل جذور الأزمة المالية الهيكلية التي تضرب البلاد.
يرى المؤيدون لهذا الإجراء أنه يحمل فوائد تنظيمية ونفسية مهمة، أبرزها تسهيل المعاملات الحسابية وتقليل الأرقام الفلكية في الموازنات العامة والحسابات المصرفية وقوائم البيع والشراء اليومية، بالإضافة إلى إعادة الثقة بالدينار العراقي من خلال منحه مظهر القوة والقيمة المرتفعة أمام العملات الأجنبية كالدولار مما يحسن العامل النفسي للمستثمر، فضلاً عن تخفيف الأعباء اللوجستية بتقليص حجم الكتلة النقدية المتداولة وتوفير تكاليف طباعتها ونقلها وحفظها، وإجبار المواطنين على إدخال الأموال المكتنزة في المنازل إلى الدورة المصرفية الرسمية لمحاربة اقتصاد الظل.
في المقابل، يحذر خبراء الاقتصاد من أن حذف الأصفار قد يتحول إلى وهم بصري يحمل مخاطر كارثية، لأنه لا يعالج جذور الأزمة الهيكلية المرتبطة بالاعتماد الكلي على النفط ، ناهيك عن التكلفة المالية الباهظة التي تتطلبها عملية سحب العملة القديمة وطباعة ونشر الفئات الجديدة، واحتمالية حدوث ارتباك في السوق يدفع المواطنين للهروب نحو شراء الدولار أو الذهب خوفاً من الانهيار الاقتصادي.
وفي هذا السياق أكد الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني، الاثنين، أن قرار حذف الأصفار وتغيير العملة المحلية يقع حصراً ضمن اختصاص البنك المركزي العراقي، محذرا من اتخاذ هذه الخطوة في ظل الأزمة المالية الحالية لما لها من ارتدادات سلبية على السوق.
وقال المشهداني في تصريح لوكالة / المعلومة /، إن "فكرة حذف الأصفار وتغيير العملة ليست جديدة، بل تم العمل عليها وإعداد دراسة كاملة بشأنها منذ عام 2012"، وإن المبررات التي طُرحت مؤخراً بأن الخطوة تهدف لحصر أموال الفاسدين غير منطقية وغير عملية"، مشيرا إلى أن "تغيير العملة لن يكون له تأثير مباشر على حيتان الفساد ومكتنزي الأموال الفاسدة ، لوجود طرق كثيرة لديهم للالتفاف على القرار، من بينها توزيع المبالغ على الأقرباء والمقربين أو تجنيد أشخاص لتمريرها مقابل عمولات مالية".
وأضاف أن "عملية استبدال العملة تحتاج إلى وقت لا يقل عن 7 أشهر في أحسن الأحوال، وتتطلب وضع هيكلية وتصاميم جديدة من قبل البنك المركزي وستخضع لنقاشات عميقة"، مبيناً التفاصيل بأن "عملية الطبع ليست محلية بل مرتبطة بشركة بريطانية، وتُطبع الفئات في 4 دول هي فرنسا وبريطانيا وإسبانيا والهند".
وأوضح المشهداني أن "عملية الاستبدال بحاجة إلى منافذ مصرفية محددة ومحكمة حتى لا تخلق حالة من التزاحم والفوضى واستغلالها من قبل ضعاف النفوس"، كاشفاً أن "حجم الأموال المكتنزة خارج الجهاز المصرفي ضخم جداً وتقدر بحدود 92 تريليون دينار".
من جهته أكد النائب عن ائتلاف الأساس العراقي مرتضى الأعاجيبي، اليوم الاثنين، أن الحديث عن حذف الأصفار من العملة العراقية لا يتجاوز كونه مقترحاً يتم تداوله، مشيراً إلى عدم وجود أي مساعٍ حكومية حالية أو خطط لتطبيقه على أرض الواقع.
وقال الأعاجيبي في تصريح لـ/المعلومة/ إن "الحديث عن حذف الأصفار من العملة العراقية هو مجرد مقترح يتم تداوله، ولا توجد في الوقت الحالي أي مساعٍ حكومية أو خطط فعلية لتطبيق هذه الخطوة"، مبيناً أن "الموضوع لم ينتقل إلى مرحلة الإجراءات التنفيذية".
وأضاف أن "حذف الأصفار لا يمثل حلاً للأزمة المالية التي يعاني منها العراق، ولا يمكن أن يعالج أصل المشكلة الاقتصادية"، لافتاً إلى أن "معالجة الأوضاع المالية تتطلب إجراءات حقيقية ومدروسة تستهدف أسباب الأزمة بدلاً من اللجوء إلى حلول شكلية".
وأشار الأعاجيبي إلى أن "مثل هذه الخطوات لا تسهم في معالجة الأزمة المالية، وإنما تعد حلولاً ترقيعية لا تعالج المشاكل الاقتصادية بصورة جذرية"، مؤكداً ضرورة "التركيز على الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي من شأنها معالجة مكامن الخلل وتعزيز استقرار الاقتصاد العراقي.
وشدد على أهمية "عدم التعامل مع حذف الأصفار باعتباره إجراءً قادراً على حل المشكلات المالية"، مبيناً أن "معالجة الأزمة تحتاج إلى سياسات اقتصادية واضحة وإجراءات عملية تتناسب مع طبيعة التحديات التي يواجهها العراق".انتهى/25م