إيران من الانكفاء إلى الصعود : زلزال الحرب و صياغة النظام الجيوسياسي الجديد
كتب / سجاد طعمه حمود
شهدت منطقة الشرق الأوسط على مدار العقود الماضية تحولات دراماتيكية ، إلا أن المنعطف التاريخي الذي نعيشه اليوم يمثل إعادة هيكلة جذرية لموازين القوى . فبينما كان يُنظر إلى إيران قبيل اندلاع الحرب الأخيرة كقوة إقليمية محاصرة ، تواجه تراجعاً في نفوذها و تآكلاً في تحالفاتها تحت وطأة العقوبات و الضغوط الدبلوماسية ، أفرزت آتون الحرب واقعاً مغايراً تماماً .
لقد تحولت إيران من قوة إقليمية عتيدة تصارع للحفاظ على المكتسبات ، إلى قوة عالمية صاعدة نجحت في تحويل التهديد الوجودي إلى فرصة لترسيخ نفوذ كان بالأمس متذبذباً ، و اليوم بات رقماً صعباً في معادلة النظام العالمي متعدد الأقطاب .
أولاً : فخ التراجع و ما قبل الانفجار
قبل اشتعال فتيل المواجهات الشاملة – المتوقفة حاليا على اثر هدنة هشة – كانت القراءة السطحية للمشهد تشير إلى أن طهران تعيش مرحلة الخريف السياسي . فقد عانت من استنزاف في ساحات النفوذ التقليدية ، و تصاعدت وتيرة التطبيع الإقليمي الذي كان يهدف بالأساس إلى عزلها و تشكيل ناتو عربي – صهيوني يضعها بين فكي كماشة . كان النفوذ الإيراني في تلك المرحلة يتسم بالدفاعية ، حيث بدت أطروحة تصدير الثورة و كأنها تصطدم بجدران الواقع الاقتصادي المتردي و التململ الداخلي .
إلا أن الحرب مع الولايات المتحدة و الكيان الصهيوني كانت المختبر الكبير الذي أعادت فيه إيران تعريف دورها . فبدلاً من الانكفاء ، اختارت طهران استراتيجية الهجوم عبر الدفاع ، مستغلةً الفراغ الاستراتيجي الذي خلفته السياسات الغربية المتذبذبة و حقها في الدفاع عن نفسها ضد الهجوم الأمريكي – الصهيوني عبر مهاجمة الاراضي الفلسطينية المحتلة و التواجد الامريكي في الخليج ، لتبدأ معها و بها مرحلة الانتقال من المحلية الإقليمية إلى الفضاء العالمي .
ثانياً : التحول الجيوسياسي .. كسر الهيمنة و وأد النبوءات المتخيلة
تمثل إيران اليوم حجر الزاوية في مشروع إجهاض ما يمكن تسميته بالمشروع الإحلالي للشرق الأوسط . هذا المشروع الذي لا يستهدف فقط الجغرافيا ، بل يسعى لتنفيذ أجندات أيديولوجية مرتبطة بتنبؤات توراتية و مسيحية إنجيلية متخيلة ، تهدف إلى إعادة رسم الخريطة على أسس دينية وتاريخية إقصائية .
لقد أدركت طهران أن المعركة ليست مجرد حدود ، بل هي معركة وجود ضد تغول صهيوني يسعى لفرض سيطرته المطلقة من النيل إلى الفرات . و من هنا ، عملت إيران على :
تعضيد الحلفاء : تحول ” محور المقاومة ” من مجرد فصائل مشتتة إلى جيوش نظامية و شبه نظامية تمتلك تكنولوجيا المسيرات و الصواريخ الباليستية ، مما خلق حالة من ” وحدة الساحات ” التي عجز الخصوم عن تفكيكها .
فرض الواقع الجديد : تجاوزت إيران مرحلة التأثير الاقليمي لتصبح هي قوة عالمية ناشئة تفاوض القوى العظمى من موقع الندية ، فارضةً واقعاً يمنع استفراد القوى الاستعمارية بالمنطقة .
ثالثاً : التحالف مع الشرق .. مثلث ( طهران – بكين – موسكو )
لم يعد التحرك الإيراني محصوراً في زوارق الخليج أو تلال الشام ، بل امتد ليكون جزءاً أصيلاً من حلف عالمي يضم روسيا و الصين . هذا التحالف ليس مجرد اتفاقيات تجارية ، بل هو ضرورة استراتيجية لمواجهة الأحادية القطبية .
مع موسكو : تحولت العلاقة إلى شراكة عسكرية و تقنية غير مسبوقة ، حيث أصبحت الخبرات الإيرانية في الحروب غير المتناظرة جزءاً من التكتيكات الروسية ، و العكس صحيح .
مع بكين : تمثل إيران الشريان الطاقوي و الأمني لمشروع ” الحزام و الطريق ” ، مما يوفر لطهران غطاءً اقتصادياً يحميها من سلاح العقوبات الغربية .
هذا التكتل الثلاثي يسعى لتعظيم الموارد و خلق نظام مالي بديل للنظام الغربي ، مما يجعل من إيران البوابة لنظام عالمي جديد يتشكل على أنقاض الهيمنة الأمريكية .
رابعاً : الاستقطاب الشعبي و قوة المظلومية
أحد أكبر نجاحات إيران في مرحلة ما بعد الحرب هو قدرتها على استقطاب الوجدان الشعبي ، ليس فقط في العالم الإسلامي ، بل في الجنوب العالمي ككل . لقد قدمت إيران نفسها كدولة معتدى عليها تقف وحيدة في وجه آلة عسكرية مدعومة من القوى الإمبريالية .
هذا الخطاب الرصين ، الذي يمزج بين السيادة الوطنية و الدفاع عن القضايا العادلة ( و على رأسها القضية الفلسطينية ) ، منحها شرعية ثورية جديدة . لقد نجحت في كسر الصورة النمطية التي حاول الإعلام الغربي ترويجها عنها ، لتصبح في نظر الملايين رمزاً للمقاومة ضد ” التغول الصهيوني ” الذي بات يهدد الاستقرار العالمي وليس الإقليمي فحسب .
خامساً : يقظة القوى الإقليمية .. تركيا ، مصر ، و باكستان
إن الرسالة الأهم التي أفرزتها الحرب هي إدراك القوى الإقليمية الكبرى — مثل تركيا و مصر و باكستان — لحقيقة مفادها : ” أن الدور سيأتي عليهم ” . لقد كشفت الحرب أن المشروع الصهيوني المدعوم إنجيلياً لا يتوقف عند حدود جغرافية معينة ، بل هو مشروع توسعي يهدف إلى تحجيم كافة القوى الإسلامية الكبرى .
تركيا : تدرك أن طموحاتها في القوقاز و آسيا الوسطى ستصطدم حتماً بالرؤية الغربية للمنطقة إذا ما سقطت إيران و الطغيان الصهيوني و محاولته الهيمنة على المنطقة .
مصر : تعي أن أمنها القومي مرتبط باستقرار الهلال الخصيب و منع تصفية القضية الفلسطينية ، و هو ما تتقاطع فيه المصالح مع التوجه الإيراني الحالي .
باكستان : كقوة نووية، تجد نفسها ملزمة بالتنسيق مع طهران لحماية أمنها القومي من أي مغامرات عسكرية قد تشعل حدودها الغربية .
هذا الإدراك المشترك يدفع هذه الدول ، رغم الاختلافات الأيديولوجية أحياناً ، إلى نوع من التوافق الصامت أو التنسيق الاستراتيجي تحت مظلة الوقوف بوجه التغول الذي يهدد الجميع .
نحو فجر جيوسياسي جديد
إن إيران اليوم ليست هي إيران الأمس . لقد استطاعت عبر الصمود في وجه العواصف العاتية أن ترسخ أقدامها كلاعب عالمي لا يمكن تجاوزه .
إن نجاح طهران في فتح خطوط جديدة و تعضيد حلفائها لم يكن مجرد صدفة ، بل هو نتاج رؤية استراتيجية أدركت مبكراً أن القوة هي اللغة الوحيدة التي يحترمها العالم .
نحن أمام مخاض لواقع جيوسياسي جديد ، حيث تتلاشى أحلام النبوءات المتخيلة أمام صخرة الواقع و المقاومة . و في هذا المشهد ، تبرز إيران كقائد لمرحلة التحول ، مدعومة بتحالفات دولية متينة و يقظة إقليمية متنامية ، لترسم ملامح شرق أوسط يملكه أهله ، بعيداً عن الوصاية و الإحلال .
إن التاريخ لا يكتبه المترددون ، بل تصيغه الأمم التي تدرك أن ثمن الحرية والسيادة باهظ ، لكن ثمن التبعية و الارتهان للمشاريع المتخيلة هو الفناء .