القانون الدولي أم القانون الفوضوي ؟ فنزويلا إنموذجاً
كتب / محمد خضير الانباري
بئسَ لما يسمى زورُ وبهتانُ بـــ (القانونُ الدوليُ ) . فهوَ عنوانٌ كبيرٌ لمعنى ضيقٍ وصغير، لايحترم منْ الكبيرِ ويطبقُ على الصغير. لقد استيقظَ العالم- خلالَ الساعاتِ الماضية- على مشهدِ صادم تمثلُ في إقدامِ أقوى دولةٍ في العالم، الولاياتُ المتحدةُ الأمريكية، على تجاهلٍ صارخٍ لمبادئِ الأممِ المتحدةِ وميثاقها، واعتقال الرئيس الفنزويلي ( (نيكولاسْ مادورو) في قصره الرئاسي.
تلكَ المنظمةِ التي تتخذُ منْ إحدى كبرى مدن أمريكا( نيويورك)مقرا دائما لها ، منذُ أربعينياتِ القرنِ الماضي، وكأنَ هذا السلوكِ إعلان صريحٍ بإحراقِ كلِ ما كتبَ في القانونِ الدولي، ونسف لجميعِ الاتفاقياتِ والمواثيقِ الدولية، وفي مقدمتها ميثاقَ الأممِ المتحدةِ وديباجتهِ التي تنص على: نحنُ شعوبُ الأممِ المتحدةِ وقدْ إلينا على أنفسنا: ( أنْ ننقذَ الأجيالُ المقبلةُ منْ ويلاتِ الحربِ التي في خلالِ جيلٍ واحدٍ جلبتْ على الإنسانيةِ مرتانِ أحزانا يعجزُ عنها الوصف، وأنْ نؤكد- منْ جديد- إيماننا بالحقوقِ الأساسيةِ للإنسانِ وبكرامةِ الفردِ وقدرهِ وبما للرجالِ والنساءِ والأممِ كبيرها وصغيرها منْ حقوقٍ متساوية، وأنْ نبينَ الأحوالُ التي يمكنُ في ظلها تحقيقَ العدالةِ واحترامِ الالتزاماتِ الناشئةِ عنْ المعاهداتِ وغيرها منْ مصادرِ القانونِ الدولي، وأنْ ندفعَ بالرقيِ الاجتماعيِ قدما، وأنْ نرفعَ مستوى الحياةِ في جوّ منْ الحريةِ أفسحَ ) . يشملُ هذا التجاهلِ فصولِ الميثاقِ الثمانيةِ عشر، وعلى وجهِ الخصوصِ الفصلِ السادسِ المعنونِ بــــ (حلُ النزاعاتِ سلميا ) ، وموادهُ (33– 38) ، التي أرستْ مبادئَ واضحةً لتسويةِ النزاعاتِ عبرَ الوسائلِ السلمية، منْ خلالٍ (المفاوضة، والتحقيق، والوساطة، والتوفيق، والتحكيم، والتسويةُ القضائيةُ ) ، وهيَ المبادئُ التي جرى تجاوزها بصورةٍ فجة، في تناقضٍ صارخٍ معَ جوهرِ القانونِ الدوليِ وروحه.
ها هوَ التدخلُ الأميركيُ ، يتجسدُ مجددا عبرَ إنزالٍ عسكريٍ على القصرِ الرئاسيِ في فنزويلا واعتقالِ رئيسِ دولتها(نيكولاسْ مادورو) ، الدولةٍ المستقلةٍ ذاتِ السيادةٍ والعضوالمؤسس للأمم المتحدة في العام 1945. وهوَ ما يعيدُ إلى الأذهانِ التجربةِ الأميركيةِ السابقةِ عامٌ 1989 في بنما،- وتحديدا- في 15 كانونَ الأول ، حينُ تدخلتْ عسكريا في بنما للإطاحةِ بالجنرالِ( مانويلْ نورييغا)، ليعتقل ، وينقلَ إلى الأراضي الأميركية، حيثُ حكمَ عليهِ بالسجنِ لمدةِ أربعينَ عاما، أمضى منها سبعةُ عشرَ عاما خلفَ القضبان، قبلُ أنْ يتمَ تسليمهُ إلى فرنسا، حيثُ خضعَ لمحاكمةٍ جديدةٍ بتهمةِ تبييضِ الأموال، وصدرَ بحقهِ حكم إضافيٍ بالسجنِ سبعَ سنوات. لاحقا، سلمتهُ السلطاتُ الفرنسيةُ إلى بنما، حيثُ بقيَ في السجنِ حتى وفاتهِ عامَ 2017. وإذا عدنا قليلاً إلى صفحاتِ التاريخ، نجدُ أنَ الولاياتِ المتحدةَ فرضتْ نفوذها ووصايتها على أميركا اللاتينيةِ منذُ مطلعِ القرنِ التاسعِ عشر، مستندةً إلى ما عرفَ بــــ (مبدأُ مونرو) ، الذي اتخذتهُ ذريعةٌ للتدخلِ في الشؤونِ الداخليةِ لدولِ المنطقة، وقدْ بررتْ هذا السلوكِ بجملةٍ منْ الذرائع، منْ بينها حمايةُ المصالحِ الأميركية، ومنعَ التهديداتِ المحتملةِ للأمنِ القومي، والحفاظُ على الاستقرارِ الإقليمي، والترويجُ لما تسميهُ تعزيزُ الديمقراطيةِ في المنطقة.
يا أساتذة القانون الدولي، أطرح هذا التساؤل بصدق: هل لا نزال نؤمن بجدوى الاستمرار في تدريس القانون الدولي لطلابنا؟ أن من مفارقات المشهد الدولي المضحِكة المبكِية، أن يسعى فخامة الرئيس للترويج من أجل الحصول على جائزة نوبل للسلام، وقد حظيت أفعاله وتصرفاته بتزكية معظم قادة العالم الذين زاروا واشنطن ، حتى صاحبنا العزيز…!