“تمكين ” مستورد ومنحة غائبة …الثقافة تدار خارج أهلها !!
تجارة المهرجانات والفنادق على حساب وزارة الثقافة لم تعد خافية على أحد إذ باتت تنظم فعاليات باهظة الكلفة يُدعى إليها عرب من فنانات وعارضات أزياء تحت مسمى ” تمكين المرأة ”
بينما تعجز الوزارة نفسها عن صرف منحة بائسة للمثقفين والأدباء والفنانين العراقيين أولئك الذين شكّلوا على مدى عقود الذاكرة الحيّة للبلاد وحراس هويتها الثقافية .
المفارقة الصادمة أن هذه المنحة مرصودة في الميزانية ومع ذلك لم تُصرف ولم تُقابل بموقف شفاف أو تفسير رسمي مقنع فأيّ تمكين هذا الذي يُستورد بالعملة الصعبة ويُقام في قاعات الفنادق الفاخرة بينما يُهمَّش المبدع العراقي الذي يعيش في ضيق مادي ومعنوي ويترك وحيدا في مواجهة الإهمال؟
ليست المشكلة في فكرة تمكين المرأة بحد ذاتها فهي قضية إنسانية ووطنية لا خلاف عليها لكن الإشكال يكمن في تحويل الشعار إلى واجهة دعائية تُدار من خلالها مصالح سياسية وتجارية وتُستهلك فيها الأموال العامة دون أثر ثقافي حقيقي أو تنمية مستدامة للطاقات المحلية فالتمكين الحقيقي يبدأ من دعم المرأة العراقية المبدعة الكاتبة، الفنانة، الباحثة، لا من استيراد نجومية عابرة لا تترك أثرًا إلا في صور الافتتاح والختام .
أين وزارة الثقافة من رعاية الأدباء الذين يطبعون كتبهم على نفقتهم الخاصة؟
أين هي من الفنانين الذين حصدوا جوائز باسم العراق ولم يجدوا حتى ثمن علاج أو إيجار؟ وأين هي من المثقفين الذين صمدوا في وجه الحروب والحصار وحافظوا على اللغة والهوية حين كانت الدولة غائبة؟
إن تغييب المثقف العراقي ليس خطأً إداريا عابرا بل مؤشر على خلل عميق في أولويات العمل الثقافي .
فالثقافة لا تُقاس بعدد المهرجانات ولا بلمعان الضيوف بل بقدرتها على رعاية منتجيها الحقيقيين وصون كرامتهم وتحويل الإبداع إلى قوة ناعمة تخدم المجتمع والدولة معا .
على وزارة الثقافة أن تُجيب لماذا لم تُصرف المنحة وهي مرصودة؟
ولماذا يُترك المثقف العراقي على الهامش بينما تُفتح الأبواب للصرف الباذخ باسم شعارات فضفاضة؟ الشفافية هنا حقٌّ عام واحترام المبدع ليس منّة بل واجب دستوري وأخلاقي .
فمن دون مثقف مُصان لا ثقافة حقيقية ومن دون عدالة في الدعم ستبقى المهرجانات ضجيجا عابرا وتبقى الثقافة العراقية تُدار خارج أهلها .