أولويات سوريا «الجولاني»: ضبط الحدود الغربية لا الجنوبية
كتب / كريستينا شطح
لم يعد السؤال المطروح اليوم في سوريا يتعلّق باستعادة السيادة بقدر ما يتعلّق بكيفية توزيعها انتقائيًا. فبينما يرفع النظام السوري الجديد خطاب الدولة الواحدة والحدود المضبوطة، يكشف السلوك العملي عن أولويات واضحة: تشديد القبضة على الحدود الغربية، مقابل صمت محسوب على الحدود الجنوبية. هذه المفارقة ليست تفصيلًا تقنيًا ولا ظرفًا أمنيًا عابرًا، بل مدخل أساسي لفهم طبيعة السلطة الجديدة ووظيفتها الإقليمية.
بهذا المعنى، لا يمكن قراءة التصعيد ضد حزب الله، ولا التركيز المكثّف على الحدود اللبنانية، بمعزل عن موقع سوريا «الجولاني» في معادلة إقليمية تُعيد تعريف مصادر التهديد، وتُعيد ترتيب الأولويات بما يتقاطع بوضوح مع متطلبات الأمن الإسرائيلي أكثر مما يعكس مقاربة وطنية شاملة لحماية الحدود السورية.
فالاتهامات التي يوجّهها النظام السوري الجديد إلى حزب الله بتهريب السلاح والتدخّل في الشؤون الداخلية السورية لم تأتِ كحادث أمني معزول. ما يجري هو انعكاس لتحوّل جذري في سوريا نفسها، بعد سقوط نظام بشار الأسد وصعود سلطة جديدة بقيادة الجولاني، سلطة لم ترث تحالفات الماضي، بل قامت أصلًا على نقيضها.
غير أن هذا التحوّل يتوافق مع المشروع الأميركي والإسرائيلي، خصوصًا أن العداء بين السلطة السورية الجديدة وحزب الله ليس وليد خلاف طارئ، بل جزء بنيوي من هوية هذه السلطة التي تشكّلت أصلًا في مواجهة نموذج الساحات المفتوحة وتداخل الحدود. فالنظام الجديد لم يولد في فراغ، بل في لحظة إقليمية ودولية تبحث فيها واشنطن وتل أبيب عن تقليص ساحات الاشتباك، خصوصًا مع تصاعد احتمالات الحرب بين حزب الله وإسرائيل.
وفي هذا السياق، يصبح الدور السوري في أي حرب مقبلة أكثر وضوحًا. لن تكون سوريا جبهة بل ضمانة هدوء. فالسلطة السورية الجديدة لا تتعامل مع الحرب كفرصة لإعادة التموضع، بل كتهديد مباشر لوظيفتها الإقليمية. لذلك، ستُغلِق الجبهة السورية – الإسرائيلية، ليصبح محور الجهد الرئيسي للقوات السورية بتجاه الشرق أي لبنان ، ليس عجزًا بل التزامًا بخيار سياسي يتقاطع مباشرة مع متطلبات الأمن الإسرائيلي وشروط القبول الأميركي. هكذا يُعاد تعريف السيادة بوصفها قدرة على المنع لا على الردّ، وعلى الضبط لا على المواجهة.
بالتالي، لا يمكن فصل ما يجري اليوم عن تجربة الجرود على الحدود اللبنانية–السورية بين عامي 2014 و2017. يومها، لم يكن وجود جبهة النصرة ومن بعدها هيئة تحرير الشام في تلك المنطقة جزءًا من استراتيجية أميركية واضحة لمنع تسليح حزب الله، بقدر ما كان نتيجة تردّد دولي عن الحسم، واستثمار غير مباشر في إبقاء مساحة فوضى تُربك الحزب من دون الانخراط في مواجهة مفتوحة. اعتراض واشنطن السياسي على معركة «فجر الجرود» لم يكن دفاعًا عن تلك الجماعات، بل رفضًا لأي حسم يُسجَّل كإنجاز لحزب الله. الفارق اليوم أن الدور الذي أدّته تلك الفوضى باتت تؤدّيه السلطة السورية الجديدة بشكل مباشر ومنظّم.
يتّضح الجواب أكثر عند ربط هذا المسار بالتفاهمات مع «قسد» وبمحاولات إعادة فتح أبواب القبول الدولي. واشنطن لا تُخفي شروطها: دولة واحدة، سلاح واحد، وحدود مضبوطة، ولا دور عسكري أو لوجستي لأي طرف معادٍ لإسرائيل. ما يُطلب من دمشق ليس فقط تغيير السلوك، بل تغيير الوظيفة، وهو ما ينفّذه النظام الجديد بدقّة لأنه يراه أساسًا لبقائه.
غير أن هذا التموضع الخارجي لا يمكن قراءته بوصفه انتقالًا إلى دولة قانون أو قطيعة مع ممارسات العنف، بل يجري على يد سلطة تحمل في بنيتها وتاريخها إرثًا أمنيًا وعقائديًا شديد القسوة. فالنظام السوري الجديد، المنبثق عن هيئة تحرير الشام ذات الماضي المصنّف إرهابيًا، لم يقدّم حتى الآن نموذجًا بديلًا في الحكم، بل أعاد إنتاج منطق الضبط القسري والإقصاء، كما ظهر في تعاطيه العنيف مع الأقليات، سواء في السويداء أو في مناطق الساحل. وعليه، فإن إعلان السيادة وضبط الحدود لا يعني بالضرورة قيام دولة جامعة، بل قد يخفي انتقالًا من فوضى الساحات المفتوحة إلى فوضى السلطة المغلقة.
من هنا يوحي الخطاب السوري الأخير بوضوح بأن الخيار المعتمد هو تحييد الجبهة السورية. اتهام حزب الله علنًا، وتصنيف جهات مرتبطة به كمنظمات «إرهابية»، واستخدام لغة قانونية غير قابلة للتأويل، كلّها مؤشرات على سعي دمشق الجديدة إلى تقديم نفسها شريكًا موثوقًا في معادلة الضبط الإقليمي. هنا لا يعود السؤال هل أخطأ حزب الله في سوريا، بل لماذا تُستثمر هذه الأخطاء اليوم وبهذه الحدّة. وهذا لا يعني تبرئة حزب الله من مسؤوليته عن جزء من الفوضى التي عرفتها سوريا، لكن معالجة هذه الأخطاء لا تأتي على حساب استمرار المسار العدائي، واستخدامه كرافعة سياسية لتكريس اصطفاف جديد، واضعاً سوريا عمليًا ضمن الاستراتيجية الأميركية–الإسرائيلية لعزل الحزب وإنهائه.
أمّا إسرائيل، فهي المستفيد الأكثر هدوءًا من هذا التحوّل. فهي لا تحتاج إلى تحالف معلن مع دمشق الجديدة، بل إلى واقع عملي يضمن تحييد الجبهة السورية. كلّما شدّدت السلطة الجديدة قبضتها على الحدود وقطعت الطريق على حزب الله، تقلّصت ذرائع التدخّل العسكري، وتحوّل الضبط السوري إلى جزء من أمن إسرائيل غير المعلن.
في سوريا «الجولاني»، لم تعد السيادة فعل حماية بل أداة ضبط، ولم تعد الحدود خطوط دفاع بل خطوط سماح. دولة تُغلق جبهتها حيث تُطلب منها المواجهة، وتفتح صمتها حيث يُمنع الاشتباك، لا تبني سيادة… بل تؤدّي وظيفة.