صندوق مسقط الأسود: ماذا يجري خلف الصمت الدبلوماسي؟
كتب / محمد أحمد سهيل المعشني
تسود مسقط اليوم حالة من الصمت الدبلوماسي المدروس، وهو صمتٌ اعتادت عليه العاصمة العمانية كلما دخلت في وساطة دقيقة. فبعيداً عن البيانات الصاخبة، تُدار اتصالات معقدة تهدف إلى احتواء تصعيد إقليمي يهدد بتوسيع دائرة المواجهة. ورغم توافد مراسلي القنوات الدولية، اكتفت الدبلوماسية العمانية بالتحرك بحذر، في رسالة تعكس وضوح النهج العماني في إدارة الملفات الحساسة داخل “صندوق أسود” بعيداً عن الضجيج الإعلامي.
إن ما جرى في أروقة العاصمة العمانية مؤخراً لا يندرج ضمن مفاوضات تقليدية، بل يمثل جهداً سيادياً لتجنيب المنطقة انزلاقاً غير محسوب. ووفق قراءة لمسار الاتصالات، فإن إدارة الملف قامت على فصل المسارات؛ قنوات سياسية بواجهة مدنية، وأخرى أمنية تقنية تعالج المخاوف الميدانية. وقد عكست تركيبة الوفد الأمريكي، التي ضمت شخصيات محورية مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، هذا التعقيد عبر الجمع بين التمثيل السياسي وعقلية “الصفقات الكبرى”، وهو ما أثار تحفظاً إيرانياً أولياً، لكنه عكس في جوهره قلقاً أمريكياً من فقدان السيطرة على إيقاع التهدئة في مسرح تتعدد فيه مراكز القرار.
إن ما شهدته مسقط ليس مخاضاً لمسار ولد من العدم، بل هو استعادة واعية لخيوط حوار تقطعت أوصاله. هنا، لم يتسلح الوفد الإيراني بالسياسة فحسب، بل نسج موقفه من فيض الخبرة وحجج القانون الدولي، معتبراً أن أي مساس بمنشآته النووية هو اعتداء على حق سيادي، بينما وقف كطود شامخ أمام أي محاولة للمساس بترسانته الصاروخية. وفي المقابل، برزت إسرائيل كلاعب “حاضر بالغياب”، يسعى للتأثير على سقف التفاهمات خشية تقليص هامش خياراته العسكرية، وهو ما جعل الصحافة العالمية تصف مسقط اليوم بأنها “صمام الأمان لعام 2026”.
ومع إسدال الستار على هذه الجولة، جاءت التصريحات الرسمية لتؤكد نجاح المختبر العماني؛ فقد وصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي المحادثات بأنها “إيجابية وبداية جيدة”، بينما عزز وزير الخارجية العماني السيد بدر بن حمد البوسعيدي هذا التفاؤل بوصفه المباحثات بأنها كانت “جادة جداً ومفيدة للغاية”، مؤكداً أن مسقط نجحت في “توضيح مواقف الطرفين وتحديد مجالات التقدم الممكنة”. هذا التناغم في التصريحات يشي بأن الصندوق الأسود بدأ ينتج تفاهمات أولية تتجاوز مجرد نقل الرسائل إلى صياغة مسودات الحل.
الخلاصة، أن واشنطن تركز الآن على ضبط الإيقاع الميداني، بينما ترفض طهران التراجع تحت الضغط، لتبقى الوساطة العمانية هي آلية الاحتواء المرنة التي تمنع انهيار المسار. الأسابيع المقبلة، ومع الترتيب لجولة قادمة، لن تكون اختبار نيات فحسب، بل اختبار التزام عملي. في هذا السياق، تظل عُمان وفية لمقاربتها: “الصمت المدروس” حين يُدار بحساب، قد لا يصنع عناوين صاخبة فورية، لكنه يمنع كوارث يصعب احتواؤها لاحقاً.