بغداد في زمن الاختناق..!
كتب / رياض الفرطوسي...
في بغداد، لا يبدأ النهار مع شروق الشمس، بل مع أول زفير ثقيل يخرج من صدر المدينة. كأنها تستيقظ متعبة قبل أن تتحرك، كأنها تعرف أن يومها سيكون طويلاً، مزدحماً، محشواً بما لا يُحتمل.
المشي هنا لم يعد فعلاً عادياً. هو تفاوض يومي مع الإسفلت، مع السيارات، مع الأرصفة التي سُلبت من أصحابها الأصليين. الرصيف الذي كان حقاً بسيطاً صار مساحة مستباحة، موقفاً مؤقتاً تحول إلى دائم، دكاناً تمدد خطوة إضافية، حاجزاً إسمنتياً يفرض منطقه الصامت. تمشي في الشارع لا لأنك تريد، بل لأن المدينة لم تترك لك خياراً آخر.
الاختناق في بغداد ليس أزمة مرور فقط، بل أزمة فكرة. الفكرة التي قررت أن المدينة كتلة قابلة للتكديس، لا كائناً يحتاج إلى إيقاع. حين يُختزل التخطيط إلى رخصة بناء، وحين تُختصر الرؤية في حسابات المتر المربع، يصبح الإنسان تفصيلاً يمكن تأجيله. الأرض ترتفع قيمتها، والهواء تنخفض حصته.
اختلط السكن بالتجارة بلا ميزان. عيادات ومكاتب ومحال تتراكم داخل أحياء صُممت لعدد أقل ونبض أبطأ. الشوارع التي كانت تتسع لجيرة تعرف بعضها، صارت تختنق بسيارات لا تجد مكاناً، وبأصوات لا تهدأ. نحن لا نصنع ازدحاماً فقط، بل نصنع مدينة متعبة من أساسها.
كانت بغداد تنظر إلى نفسها أفقياً. بيوت منخفضة، سماء قريبة، أشجار تتسلل إلى النوافذ. حتى حين تغيرت ملامحها في القرن الماضي، بقي هناك تصور للحي، للحديقة، للشارع بوصفه فضاءً عاماً لا ممراً سريعاً. من أيام أبو جعفر المنصور الذي رسم مدينته دائرة تتوسطها فكرة، لا مجرد عمران، إلى أحياء حديثة حملت شيئاً من معنى الجوار، كانت المدينة أكثر من مبانٍ.
اليوم، يرتفع البناء ويضيق المعنى. أبراج تبتلع السماء، وشقق تتراص مثل صناديق أنيقة. ليس العيب في الشقة، ولا في الارتفاع بحد ذاته. المدن الحديثة تعرف الكثافة، لكن الكثافة حين تُدار بلا فلسفة تتحول إلى ضغط. ضغط على الضوء، على الهواء، على الأعصاب. غرف فوق غرف، بشر فوق بشر، حياة تُختصر في مساحة محسوبة بدقة تجارية.
المدينة التي تُصمم للسيارة تنسى القدم. والمدينة التي تُصمم للاستثمار السريع تنسى الذاكرة. تختفي الأزقة التي تحفظ الحكايات، وتتراجع الساحات التي تسمح باللقاء. يصبح الزحام قدراً، لا نتيجة خيارات واضحة يمكن مراجعتها. نسأل بدهشة لماذا لا تتحرك الشوارع بسهولة، كأننا لم نرَ كيف ضيقناها بأنفسنا.
في زمن الاختناق، لا تضيق الطرق فقط، بل يضيق الخيال. نفكر في حلول ترقيعية، جسور إضافية، ممرات أوسع، من دون أن نسأل السؤال الأصعب، كيف نعيد توزيع الحياة نفسها. كيف نخفف الضغط عن مركز واحد، كيف نصنع مراكز متعددة، كيف نحمي السكن من اجتياح الاستخدامات العشوائية، كيف نعيد للمشي مكانته كحق لا كترف.
الاعتراف بأن هناك خطأ ليس هزيمة. هو بداية نضج حضري نفتقده. ربما تحتاج بغداد إلى جرأة أن تعيد النظر في نموذجها كله، أن تفكر بمدينة موازية تخفف عنها الحمل، أن تضع الإنسان في مقدمة المخطط لا في هامشه.
السؤال بسيط، لكنه موجع. هل نبني مدناً لنعيش فيها، أم لنكدس أنفسنا داخلها. هل السكن حق إنساني يُصان، أم سلعة تُضغط حتى آخر نفس.
بغداد في زمن الاختناق لا تحتاج إلى مزيد من الإسمنت، بل إلى مزيد من العقل. تحتاج إلى أن تستعيد أفقها، لا بوصفه خطاً في السماء فقط، بل بوصفه فكرة. فكرة أن المدينة كائن حي، إذا ضاق صدره اختنق، وإذا اختنق طويلاً فقد قدرته على الحياة.