سقوط المعبد حين تتكسر أوهام الهيمنة من واشنطن إلى البحر الأحمر
كتب / د. ميساء المصري
أراهن أننا أمام لحظة إقليمية ودولية نادرة، لحظة تتكشف فيها طبقات عميقة من الصراع، وتتقاطع فيها خطوط النفوذ من واشنطن إلى البحر الأحمر، ومن تل أبيب إلى بكين. فما يبدو على السطح بأنه أحداثًا متفرقة، هو في الحقيقة مشهد واحد يعاد ترتيبه بعنف. مراكز قوى كانت تتحرك بثقة مطلقة، بدأت فجأة تتصرف بإرتباك واضح. تحالفات كانت تُدار في الظل، خرجت إلى العلن تحت ضغط الوقائع. والكيان الذي اعتاد أن يلعب دور الضابط لإيقاع المنطقة، يجد نفسه اليوم في موقع رد الفعل لا الفعل.
دعونا نفند الأحداث لنفهم الوقائع ..ففي واشنطن، مازالت تتفجر قضية الشيطان جيفري إبستين، لا باعتبارها فضيحة أخلاقية فحسب، بل باعتبارها قنبلة سياسية موقوتة. وعودة اسماء سياسية إلى الواجهة، مقرونًة بتلويحات علنية بكشف ما يدور خلف الأبواب المغلقة، و تعكس حجم التصدع داخل النخبة الأمريكية نفسها. حين يطالب رئيس سابق بأن تكون أي مساءلة في جلسات علنية أمام الشعب، فهو لا يدافع فقط عن نفسه، بل يهدد بكشف شبكة مصالح معقدة قد تطال مؤسسات وأسماء كبرى. دخول هيلاري كلينتون على خط المواجهة بلغة حادة يزيد المشهد توترًا، ويكشف أن الصراع لم يعد بين حزبين، بل داخل بنية النفوذ ذاتها.
هذا الارتباك الداخلي يتقاطع مع أزمة قيادة واضحة في إسرائيل. بنيامين نتنياهو يواجه ضغوطًا غير مسبوقة، داخليًا وخارجيًا. من جهة، تتآكل صورته تحت وطأة أزمات سياسية وأمنية متلاحقة. ومن جهة أخرى، تتكاثر التقارير والانتقادات التي تمس الدائرة الأقرب إليه، بما في ذلك زوجته سارة ، في سياق يعكس حالة انكشاف غير معتادة في مجتمع اعتاد التماسك خلف قيادته في أوقات الأزمات. حين تتحول التفاصيل الشخصية إلى مادة جدل عام، فهذا يعني أن الحصانة السياسية بدأت تتشقق.
لكن الضربة الأثقل لا تأتي من الداخل فقط، بل من تحولات كبرى في النظام الدولي. قرار الصين تقليص أو حظر استثماراتها في إسرائيل، وتصنيفها ضمن بيئات المخاطر المرتفعة، ليس إجراءً اقتصاديًا عابرًا. إنه رسالة استراتيجية قوية خطيرة. بكين التي لطالما فضّلت البراغماتية الصامتة، ترسل إشارة بأنها مستعدة لاستخدام أدواتها المالية للضغط في لحظة ترى فيها أن التوازنات تميل ضد مصالحها، خصوصًا في ظل التوتر حول تايوان. و التي وعد بها ترامب الصين قبل نهاية 2026 ، الاقتصاد هنا يتحول إلى سلاح جيوسياسي، وإسرائيل تجد نفسها أمام تآكل في شبكة الدعم التي كانت تعتمد عليها لتمويل تفوقها العسكري والتقني.
في المقابل، تتشكل في الإقليم ملامح محور جديد يعيد تعريف قواعد الاشتباك. التقارب بين مصر وتركيا، بعد سنوات من القطيعة، لا يمكن قراءته كتحسن ثنائي فحسب، بل كتحول استراتيجي. أنقرة عززت حضورها العسكري في الصومال عبر قاعدة تدريب كبرى، ووسعت صادراتها من الطائرات المسيّرة، بينما تتحرك القاهرة بثقل دبلوماسي وعسكري لحماية أمنها القومي في الجنوب والبحر الأحمر. حين يتحدث نتنياهو علنًا عن تعاظم قوة الجيش المصري، فهو يعترف ضمنيًا بأن معادلة الردع القديمة لم تعد كما كانت.
في القرن الإفريقي، تتشابك الطموحات الإثيوبية مع حسابات إقليمية معقدة. تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد حول الحق الوجودي في الوصول إلى البحر الأحمر تثير قلقًا عميقًا لدى دول الجوار. بعد حرب تيغراي الدامية، وأزمات داخلية في أمهرة وأوروميا، تبدو إثيوبيا وكأنها تبحث عن منفذ خارجي يعيد تعريف موقعها الجيوسياسي. لكن هذا الطموح يصطدم بحساسية البحر الأحمر، الذي تعتبره القاهرة مجالًا حيويًا غير قابل لإعادة التقسيم. التصريحات المصرية الحازمة بشأن حصرية السيادة على البحر الأحمر للدول المشاطئة تعكس استعدادًا لرفع سقف الردع إذا لزم الأمر.
في الخلفية، تتحرك دول أخرى مثل السعودية وباكستان ضمن شبكة تفاهمات أمنية ودفاعية تعزز منطق التوازن. الحديث عن تحالفات دفاعية ذات أبعاد نووية غير مباشرة يضيف طبقة جديدة من التعقيد. لم يعد الأمر مجرد تنافس على موانئ أو استثمارات، بل صراع على شكل الإقليم ذاته، هل يبقى مفتوحًا أمام مشاريع تفتيت وتطويق، أم يعاد بناؤه على قاعدة توازن قوى صريح؟؟
حتى على المستوى الاستخباراتي، تتكاثر التقارير عن تفكيك شبكات تجسس معقدة في هذه البقعة من العالم ، يُعتقد بارتباطها بجهاز الموساد، كانت تعمل عبر شركات واجهة وسلاسل توريد دولية. سواء تضخمت بعض التفاصيل إعلاميًا أم لا، فإن الرسالة السياسية واضحة، الاختراقات ساحة مفتوحة، قادرة على نقل المواجهة إلى مستوى تقني واستخباراتي متقدم.
المشهد إذن ليس قصة انهيار مفاجئ، بل إعادة تموضع كبرى. إسرائيل التي اعتمدت لعقود على تفوق عسكري مطلق ودعم غربي غير مشروط، تجد نفسها اليوم أمام بيئة دولية أكثر سيولة. الولايات المتحدة منشغلة بصراعاتها الداخلية، الصين تستخدم الاقتصاد كسلاح، وفاعلون إقليميون كبار يعيدون صياغة تحالفاتهم.وبعد كل هذا يتم الحديث عن حرب شاملة لا حرب ظل .والميدان مفتوح للجميع .
فهل نحن أمام سقوط كامل لـ (المعبد) الذي بُني على فكرة الهيمنة الدائمة؟ ربما من المبكر الجزم. لكن المؤكد أن الأساسات تهتز. وحين تهتز الأساسات في واشنطن وتل أبيب وبكين في آن واحد، فإن المنطقة كلها تدخل طورًا جديدًا. السؤال لم يعد من يسيطر، بل من ينجح في إدارة لحظة التحول دون أن تنفجر في حرب شاملة. التاريخ لا يرحم من يخطئ قراءة اللحظة، ونحن نعيش لحظة تعيد كتابة خرائط النفوذ بقلم ساخن…..