التسول بينَ الحاجةِ والاستغلالِ … مسؤوليةَ مجتمعٍ لا تؤجلُ
كتب / محمد خضير الانباري
حين تسيرُ في شوارعِ المدنِ أوْ على بعضِ الطرقات، أوْ تقفُ عندَ إشاراتِ المرور، يلفتَ انتباهكَ انتشارَ ظاهرةِ التسولِ بأشكالها المختلفة. فلمْ تعدْ هذهِ الظاهرةِ ذاتِ صورةٍ واحدةٍ كما كانتْ في السابق، بلْ تطورتْ لتشملَ أنماطا متعددة؛ إذْ يظهرُ بعضُ المتسولينَ وكأنهمْ يؤدونَ أدوارا مدروسةً ضمنَ شبكاتِ منظمةٍ تستثمرُ في مشاعرِ الناس، وتحولَ التعاطفُ الإنسانيُ إلى مصدرِ دخلٍ منتظم، وليسَ هذا النموذجِ بالجديد، فقدٌ تناولتهُ أعمالٌ فنيةٌ عديدة، منْ بينها فيلمٌ (المتسول) الذي قامَ ببطولتهِ عادلْ إمام، حيثُ كشفَ جانبا منْ تنظيمِ هذهِ الظاهرةِ وأساليبِ استغلالها، كما عكستهُ أيضا أعمال فنيةً عالمية، لعلَ أبرزها لوحةٌThe Crouching Beggar ) ) أو ( المتسولَ الرابض)، للفنانِ الإسبانيِ بابلو بيكاسو، التي رسمها عامُ 1902، وركزَ فيها على تجسيدِ الفقرِ والمعاناةِ الإنسانية، فهي تصورُ اللوحةُ امرأةً متسولةً في وضعيةِ انحناء، معبرةً عنْ حالةٍ عميقةٍ منْ الحزنِ والبؤسِ الاجتماعي.
في المقابل، هناكَ وجهُ آخرٍ أكثرَ ألما؛ أناس دفعتهمْ الحاجةُ القاسيةُ إلى كسرِ حاجزِ الكرامة. هؤلاءِ لا يجيدونَ الأداء، ولا يسعونَ إلى التحايل، بلْ يقفونَ على حافةِ العوز، وقدْ أجبرتهمْ الظروفُ الاقتصاديةُ وقلةُ الفرصِ على سلوكِ طريقٍ لا يرغبونه، وهمْ يدركونَ تبعاتهُ القانونيةُ والاجتماعية. يمكنَ فهمُ الظاهرةِ اليوم، كطيفٍ واسعٍ بينَ طرفين.
1– التسول المنظّم: وهذا أخطر الأوجه، لأنه لا يرتبط بالفقر المباشر بقدر ما يرتبط بشبكات تستغل الأطفال أو الفئات الهشّة، وتحوّل التعاطف الإنساني إلى دخل. هذا النوع يضر بالمجتمع من ناحيتين: يرسّخ الجريمة، ويشوّه صورة المحتاج الحقيقي.
2– التسول بدافع الحاجة: وهو الوجه الأكثر إيلامًا، حيث تدفع البطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف شبكات الحماية الاجتماعية بعض الأفراد إلى هذا الطريق، فهؤلاء غالبًا يعيشون صراعًا داخليًا بين الحاجة والكرامة، فالمشكلة أن التمييز بين النوعين صعب على الفرد العادي، وهذا ما يجعل رد الفعل مترددًابالمساعدة أم الامتناع .
في المحصلة النهائية، لا يمكن النظر إلى المتسولين بوصفهم مجرد مخالفين، بل إنهم في الأساس ضحايا لظروف اجتماعية واقتصادية أوسع من قدرتهم على التحمل، فالقضية لا تختزل في سلوك فردي عابر، بل تمتد جذورها إلى بنية مجتمعية تعاني من قصور في بعض جوانبها الإنسانية، حيث تترك محدودية الإمكانات الحكومية فراغات عميقة لا تجد من يسدّها أو يخفف من أثرها.
وفي المقابل، تتجلى صور من التفاوت الاجتماعي الصارخ، حيث ينعَم بعض الأفراد بمظاهر الرفاهية والبذخ؛ موائد عامرة وولائم فاخرة، وصور تُنشر بدافع التفاخر، في حين يبقى الفقير خارج هذا المشهد تمامًا، وكأنه غائب عن حسابات الاهتمام. وهكذا يبدو العطاء عند البعض قد فقد جوهره الإنساني، وانزاح من كونه قيمة نبيلة قائمة على الإحساس بالآخر، إلى مجرد سلوك اجتماعي موسمي أو مظهر من مظاهر الاستعراض لا أكثر.
هنا، تستحضر الذاكرة ؛ أيام الحصار التي أثقلت كاهل وطننافي تسعينيات القرن الماضي وما بعدها، حين كان أغلب أبناء شعبنا يتقاسمون وطأة المعاناة. وتعود بي الخواطر إلى صديقٍ اعتاد أن يقيم مائدة إفطار في شهر رمضان طلبًا للأجر والثوابعن ذويه، لكن الحضور، كانت حكرًا على الأقارب ووجهاء القوم، بل على الميسورين تحديدًا. وحين نُبّه إلى أن الأولى بتلك المائدة هم البسطاء من العمال والمحتاجين القريبين منه— ولا سيما أولئك القادمين من بعض المحافظات المتغربين عن أهاليهم طلبا للرزق— تبدّل نهجه وتغيّرت رؤيته، ففتح أبوابه للجميع، بلا تمييز، فاجتمع الغني والفقير حول مائدة واحدة، وتجلّى بينهم معنى المشاركة الصادقة. إن مثل هذه المبادرات البسيطة، في جوهرها العميق، قادرة على أن تعيد إلينا شيئًا من التوازن الإنساني الذي نفتقده.
إن القيم الدينية والإنسانية واضحة في هذا الجانب، فقد حثّ القرآن الكريم على رعاية المحتاجين، وجعل إطعام الفقير ومساعدة الضعيف من أعظم القربات، كما في قوله تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)، سورة الانسان: 8.
يكمن التحدي الحقيقي ليس في معرفة هذه القيم، بل في تحويلها إلى واقع يومي ملموس. ومن هنا، يمكن التفكير بحلول عملية تتجاوز الصدقات الفردية. فهنالك عدد من التساؤلات المشروعة .
لماذا لا يبادر أصحاب الأموال أو الميسورين ، بالتعاون مع الأطباء وأهل الاختصاص، إلى إنشاء مؤسسات خيرية مستدامة؟ مستشفيات مجانية أو مراكز صحية تحمل رسالة إنسانية خالصة، تُدار بشفافية، وتُقدّم خدماتها للفقراء والمرضى دون مقابل. تضاف الى مؤسسات الدولة ولكن بادارة خاصة خارج النطاق الحكومي ويكون الجانب الانساني فيها، هو الاساس . يمكن أن تُقام تحت مسميات تعكس نبل الهدف، وتكون مكملة لدور الدولة لا بديلًا عنها.
إن معالجة ظاهرة التسول لا تكون فقط بمنعها أو معاقبة أصحابها، بل بفهم أسبابها ومعالجة جذورها. بين المتسول “الممثل” والمتسول “المضطر” مساحة واسعة من المسؤولية الاجتماعية. كما في قوله تعالى : ( “فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ“) البقرة :173، وكذلك في قوله تعالى: (“فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ“) المائدة : 3.
وإذا لم يتحرك المجتمع بكل فئاته لسد هذه الفجوة، ستبقى الشوارع تعكس هذا التناقض المؤلم بين الوفرة والحاجة. في النهاية، المسألة ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل اختبار حقيقي لضمير المجتمع: هل نكتفي بالمشاهدة، أم نعيد توجيه عطائنا ليصل إلى من يستحقه فعلًا.
وبدلًا من الاكتفاء برد فعل عاطفي مباشر، يمكن التفكير كذلكفي بدائل أكثر فاعلية:
1. دعم الجمعيات الخيرية الموثوقة التي تصل للمحتاجين الحقيقيين.
2. تقديم مساعدات عينية (طعام، ماء) بدل المال في الشارع.
3. تشجيع الحلول المؤسسية بدل الفردية، لأن الظاهرة أكبر من أن تُحل بجهود فردية.
وفي النهاية، الظاهرة ليست أخلاقية فقط بل اقتصادية واجتماعية أيضًا، فالقضاء على التسول القسري لا يتم عبر المنع أو العقوبة وحدها، بل عبر خلق فرص حقيقية تحفظ كرامة الإنسان.