من المسؤول عن غياب الموازنة الاتحادية وما تأثير ذلك على البلاد والعباد ؟ّ!
كتب / د.باسل عباس خضير …
أعلنت وزارة المالية / دائرة الموازنة بكتابها بالعدد 15003 في 14 / 4 / 2026 ، بإيقاف العمل بكافة نصوص قانون الموازنة الاتحادية للسنوات ( 2023 – 2025 ) ، استنادا لأعمامها المرقم 401 / 137137 في 9 / 12 / 2025 ، وإيقاف العمل بصلاحيات الموازنة يعني إن البلد يخلو من الموازنة الاتحادية منذ بداية السنة المالية الاتحادية ( 1 / 1 / 2026 ) ولحين إصدار قانون جديد بمشروع من الحكومة ومصادقة مجلس النواب ، وان الحكومة الحالية مقيدة في إصدار العديد من القرارات ومنها مشروع الموازنة كونها معنية فقط بتصريف الأعمال ، ولان الموازنة كانت لثلاث سنوات فان قاعدة الصرف 1 / 12 تلاقي صعوبات في التطبيق ، لان الموازنة الثلاثية غيرت الكثير من السياقات فموازنة 2023 كانت معروفة وجداول متغيراتها صدرت لعام 2024 ، و في عام 2025 لم تشهد أي تغيير عندما حجبت جداولها عن الاحالة و المناقشة والإقرار ، و موازنة 2026 لم تتضح معالمها بعد ، لان الحكومة المعنية بها وتحديد أهدافها هي التي يجب أن تتشكل بعد انتخابات مجلس النواب بدورته الحالية السادسة و لم تتشكل بعد ، رغم انقضاء المدة التي حددها دستور البلاد لعام 2005 ، وبات من المؤكد أن يتأخر إعداد ومصادقة الموازنة الاتحادية بسبب ما تتطلبه من تفاصيل وأسبقيات تلاءم البرنامج الحكومي الذي لم يولد بعد ، و إن صدرت الموازنة فمن المتوقع أن تصدر يعد شهور ، وبصدورها ستفقد الكثير من جدواها ، فالموازنة السنوية تخطيطية وتعتمد مؤشرات وتوقعات واغلب الأحداث ستتحول إلى الماضي بمرور شهور على عمرها لمدة عام ، كما ليس من المتوقع أن تتكرر موازنة الثلاث سنوات لما أفرزته من معطيات كثيرة أبرزها تأثر البلاد سنويا بالمتغيرات وسرعة التكيف من قبل السلطات .
وتأخر او غياب الموازنة الاتحادية ليس حدثا عابرا من الممكن أن يمر كما حصل في بعض السنوات لأسباب عديدة ، أبرزها الوضع الإقليمي والدولي الذي تمر به المنطقة وتأثيره الواضح على البلاد اقلها من حيث نقص الإيرادات ، كما إن الموازنة الاتحادية ليست مسالة كمالية او شان تجميلي وإنما ركيزة سيادية مهمة في الفصل بين السلطات ، وفي نظامنا الدستوري فان السلطة التنفيذية ( مجلس الوزراء + رئيس الجمهورية ) هم من يحيلون مشاريع القوانين لمجلس النواب لأنهم جهة الاختصاص بموضوع تخمين نفقاتها وإيراداتها ، ومجلس النواب من حقه أن يتبنى قوانين وتشريعات كمقترحات بشرط أن لا تكون لها أعباء ( جلبة ) مالية لكي لا تتحمل الحكومة نفقات وإضافات ، ويعني ذلك إن جزءا مهما من فاعلية السلطة التشريعية لمجلس النواب معطلة في غياب التشريعات المحالة من الحكومة وعدم صلاحيته في إضافة نفقات ، والموازنة الاتحادية أداة مهمة في تحقيق التنمية المستدامة من التخصيصات الاستثمارية ، ونفقاتها التشغيلية الجارية لها تأثير مباشر في حركة الاقتصاد والإنفاق ، وفي بلدنا تؤدي الموازنة دورا في انتعاش الأسواق ، وبغياب الموازنة تتوقف العديد من المشاريع التي تحتاج لنفقات وذلك يؤثر على قطاعات الاقتصاد وفعاليات البلاد والعباد ، كما إن مصالح الناس المرتبطة بالموازنة تتأخر او تتضرر او تموت بتأخير وغياب الموازنة السنوية ، وفي بلدنا الريعي المعتمد على إيرادات النفط تلعب الموازنة دورا مهما في حركة الحياة ، ونضيف لكل ذلك بان تعليمات قانون الموازنة التي تصدر كل عام يتم اعتمادها كبوصلة لجميع قطاعات الاقتصاد .
والموازنة الاتحادية في العراق عصب مهم في حركة الاقتصاد وما ترتبط به من أنشطة و فعاليات وينتظر صدورها كل الشعب ، وفي فقرة الرواتب يعتمد على نفقاتها أكثر من 8 ملايين مواطن من الموظفين والمتقاعدين والحماية الاجتماعية ، وهذا العدد مسؤول عن إعالة النسبة الكبيرة من سكان البلاد ، والعدد المشار إليه وما ينتظره غيرهم يحتاجون إلى تامين و حركة في الموازنة لكي يكيفون مدخولاتهم مع المتغيرات ، من حيث التعيين والعلاوة والترفيع وصرف المستحقات ، فالاقتصاد الريعي يتأثر كثيرا بالأزمات وينشا التضخم وزيادة الأسعار ، والصلاحيات المحدودة لحكومة تصريف الأعمال لا يمكنها أن تعالج حالات مهمة دون تشريع ، وفي الرأي السائد فان غياب الموازنة يسبب الضيق لفئات واسعة من السكان كونه يؤشر وجود خلل كبير لم يعالج بعد وما ينعكس على ذلك من احتمالات الفساد ، وإحدى النقاط المهمة التي تسبب التأخير المتكرر في إصدار الموازنة بعد كل انتخابات للبرلمان ، يعود لضعف التوافق بين مواعيد انتخابات مجلس النواب ومغادرة الحكومة ، فمن الضرورات إلزام الحكومة بإعداد موازنة اتحادية بموعد يتلافى الاحتمال في تأخير الإيفاء بالمتطلبات ، ولو كانت الحكومة الحالية قد أعدت الموازنة وتمت المصادقة عليها قبل نهاية السنة المالية لما حصل هذا الفراغ ، وهذا الرأي لا يتقبله من يعتقد بان الحكومة المقبلة ستكون مكبلة بموازنة لم تقوم هي بإعدادها على وفق برنامجها وما تتبناه من أهداف ، والجواب معروف ، وهو أن الموازنة يجب أن تفصل على مقاسات الشعب وليس رغبات الحكومات ، كما إن الحكومة التالية بإمكانها أن تجري تغييرات بضوء النصوص التي تتيح المناقلة والحذف والإحداث ، فالخلل ( الفراغ التشريعي ) يكون موجود عندما يكون البلد بلا موازنة خلال شهور والبرلمان مقيد بتبني تشريع فيه التزام بنفقات ، والموازنة ليست شان صغير وإنما فيها أرزاق الناس ومصلحة البلاد ، والأمر يتكرر في اغلب الأعوام والمشتكي لله مقرونا بالدعاء بان توضع نهاية مقبولة للمعاناة .