لا تتحدثوا عن هيبة البرلمان… وأنتم تعجزون عن حماية هيبة الشعب..!
كتب / كندي الزهيري ...
ليس من حق أحد أن يطالب العراقيين باحترام هيبة أي مؤسسة، فيما تُنتهك هيبة الشعب كل يوم تحت وطأة الفساد، وتُهدر ثرواته، وتُبدد أحلام أجياله، ويُترك ملايين المواطنين يصارعون الفقر والبطالة وسوء الخدمات، بينما ينعم أصحاب النفوذ ومن التفوا حولهم بخيرات بلدٍ ، كان يفترض أن يكون من أغنى دول المنطقة.
إن مكافحة الفساد ليست حملة إعلامية، وليست استعراضاً سياسياً، وليست تصفية حسابات بين الخصوم. إنها معركة وجود، فإما أن تنتصر فيها الدولة، أو ينتصر الفساد على الدولة نفسها… ولا يمكن إقناع العراقيين بوجود إرادة حقيقية للإصلاح إذا كانت يد العدالة ” تمتد إلى صغار الفاسدين وتتردد أمام كبارهم” .
فمن يحارب (ذيل الفساد) ويترك (رأسه)، لا يقتلع الفساد، بل يمنحه فرصة جديدة للنمو. والأشد استفزازاً أن يخرج بعض أعضاء مجلس النواب إلى وسائل الإعلام، لا للدفاع عن المال العام، ولا للمطالبة باسترجاع المليارات المنهوبة، بل للاحتجاج على طريقة ملاحقة المتهمين بالفساد، وكأن كرامة المؤسسة أصبحت أهم من كرامة المواطن، وكأن الحصانات خُلقت لحماية الفاسدين لا لحماية الشعب .
أي هيبة هذه التي تتحدثون عنها؟… هل الهيبة أن يبقى المواطن مسحوقاً بينما تتضخم ثروات الفاسدين؟ ، هل الهيبة أن تُرفع الشعارات داخل القاعات بينما تُنهب أموال الناس خارجها؟، هل الهيبة أن يُقسم المسؤول على حماية الأمانة ثم يصمت أمام العبث بها؟.
لقد أقسمتم ((بالله العظيم)) أن تحافظوا على الدستور، وأن ترعوا مصالح الشعب، وأن تصونوا المال العام، فهل أصبح القسم مجرد كلمات تُقال يوم أداء اليمين ثم تُنسى عند أول إختبار؟.
اعلموا أن الشعب ليس قاصراً، ولم يعد تنطلي عليه محاولات خلط الأوراق، العراقيون لا يسألون عن هوية من كشف ملفات الفساد، بل يسألون: أين كانت مؤسسات الرقابة طوال السنوات الماضية؟، ولماذا بقيت ملفات الفساد حبيسة الأدراج؟، ولماذا لا يُحاسب كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون، أياً كان منصبه أو انتماؤه؟.
إن هيبة الدولة لا تُبنى بالحصانات، ولا بالخطب الغاضبة، ولا بالدفاع عن الامتيازات، وإنما تُبنى حين يرى المواطن أن القانون يطبق على الجميع بلا استثناء، وأن المال العام خط أحمر، وأن المنصب تكليف لا وسيلة للإثراء.
وليعلم الجميع أن الشعب هو مصدر السلطات، وهو صاحب الشرعية و الحق ، وهو من يمنح المؤسسات احترامها، فإذا فقدت المؤسسة ثقة الشعب بسبب التقصير أو التستر أو العجز عن مواجهة الفساد، فإنها هي التي تحتاج إلى استعادة هيبتها بالفعل، لا بالمطالبة بها بالكلام. إن العراقيين لا يريدون خطابات عن هيبة البرلمان، بل يريدون هيبة “القانون”.
لا يريدون بيانات استنكار، بل يريدون استرداد الأموال المنهوبة. لا يريدون دفاعاً عن الامتيازات، بل دفاعاً عن حقوق الأرامل والأيتام والشباب والعاطلين والمرضى ، الذين سُرقت حصتهم من وطنهم.
كفى متاجرةً باسم المؤسسات، وكفى استغلالاً للحصانات، وكفى محاولاتٍ لتحويل معركة مكافحة الفساد إلى معركة للدفاع عن النفوذ. فهيبة البرلمان تبدأ من إحترام القسم، وهيبة الدولة تبدأ من محاسبة الفاسد، وهيبة المسؤول تبدأ من خدمة الشعب، أما إذا أصبحت كرامة الفاسدين أغلى من كرامة العراقيين، فإن التاريخ لن يرحم، والشعوب لا تنسى، والعدالة مهما تأخرت تبقى المطلب الذي لا يسقط بالتقادم.