ديوان الرقابة المالية… عين الدولة التي لا تُسمع تقاريرها!
كتب / المهندس علي جبار ..
يُعد ديوان الرقابة المالية أحد أقدم وأهم مؤسسات الدولة العراقية في حماية المال العام، حيث تعود جذور الرقابة المالية الرسمية إلى عام 1927 بتأسيس دائرة تدقيق الحسابات العامة بموجب القانون رقم (17) لسنة 1927، ثم تطورت إلى ديوان الرقابة المالية بصورته الحديثة بموجب القانون رقم (42) لسنة 1968.
لكن هذه المؤسسة الرقابية العريقة لم تحصل دائماً على الدعم المؤسسي الذي يتناسب مع حجم مسؤولياتها، كما لم تتحول نتائج أعمالها بشكل كافٍ إلى قرارات إصلاح ومحاسبة.
المشكلة لم تكن في غياب الرقابة… بل في ضعف الاستجابة لما تكشفه الرقابة.
فالديوان ليس جهة لرصد المخالفات فقط، بل هو إحدى أهم أدوات الدولة لضبط الإنفاق، رفع كفاءة المؤسسات، ومنع الهدر في المال العام.
أرقام تكشف حجم التحدي
أولاً: فجوة بين حجم المسؤولية والقدرة التشغيلية
يعمل في الديوان نحو 2,100 موظف فقط مسؤولين عن تدقيق ومراجعة أكثر من 4,700 وحدة إنفاق حكومية رئيسية تتفرع إلى أكثر من 20 ألف وحدة مالية وإدارية في مختلف مؤسسات الدولة.
هذه الأرقام تكشف تحدياً هيكلياً:
كيف يمكن لجهاز رقابي محدود الموارد أن يغطي هذا الحجم الهائل من الإنفاق العام بكفاءة عالية؟
ثانياً: الحلقة المفقودة في إدارة المال العام
آخر حسابات ختامية تمت المصادقة عليها من قبل مجلس النواب تعود إلى عام 2012.
أما الحسابات الختامية للأعوام 2013–2019 فقد دققها الديوان وأرسلها للجهات المعنية، لكنها لم تستكمل إجراءات المصادقة النهائية، بينما بقيت السنوات اللاحقة أمام تحديات التدقيق والإغلاق المالي.
المشكلة ليست في وثيقة مالية فقط، بل في فقدان إحدى أهم حلقات الإدارة الحديثة:
موازنة → تنفيذ → تدقيق → حساب ختامي → مساءلة وإصلاح
ثالثاً: تقارير رقابية بلا استجابة كافية
تكشف تقارير ديوان الرقابة المالية عن وجود أكثر من 27 ألف تقرير رقابي أعدتها فرق التدقيق والرقابة، تضمنت ملاحظات ومخالفات وحالات تحتاج إلى معالجة من الجهات الحكومية المعنية.
لكن التحدي الحقيقي ليس إنتاج التقارير، بل ضمان أن تتحول هذه التقارير إلى:
• قرارات تصحيحية.
• محاسبة واضحة.
• إصلاح مؤسسي.
أخيراُ نقول …
قوة الدولة لا تقاس فقط بوجود جهاز رقابي قوي، بل بقدرتها على الاستماع إليه وتحويل ملاحظاته إلى إصلاحات حقيقية.
ديوان الرقابة المالية لا يحتاج فقط إلى مزيد من الصلاحيات، بل يحتاج إلى منظومة دولة تؤمن بأن الرقابة ليست عائقاً أمام الإدارة…
بل هي أساس الإدارة الناجحة.
وهكذا، تتجلّى مأساة عالمٍ تحكمه القوّة لا العدالة، وتُدار فيه السياسة بعقلية الغلبة لا الإنسانية، حيث يصبح الضحية متَّهَمًا، والجلاد مُخلِّصًا، ما دامت موازين القوّة مختلّة، وما دام الضعفاء بلا مشروعٍ ذاتي يحميهم من الافتراس.
*الخاتمة: استمرار منطق الغاب
يبقى منطق القوة هو السائد في العلاقات الدولية، حيث تتحكم المصالح الجيوسياسية والاقتصادية في سلوك القوى العظمى… ؛ وتظل الشعوب الضعيفة هي التي تدفع الثمن، بينما تتنكر الدعاوى الإنسانية والديمقراطية عندما تتعارض مع المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى … ؛ فالتاريخ يُكتب بأقلام الأقوياء، والشعوب تدفع دماءها ثمناً لمعادلات القوة التي لا تعرف الرحمة ولا الأخلاق.