حقائق عن إيرادات الدولة وأين تذهب الأموال ؟!
كتب / د. باسل عباس خضير ...
في بلد غني بالموارد والثروات ، وحكومته تشغل العديد من الفعاليات وتؤدي معظم الخدمات ، تطرح العديد من التساؤلات مقرونة بالعجب والاستغراب ، كيف يعقل أن تشكل إيراداتها غير النفطية نسب منخفضة من مجموع الإيرادات ، وذلك يظهر في الموازنات الاتحادية التي تصدر كل عام ومنها موازنة 2023 ، وحسب ( تقرير أرقام موازنة 2023 وحقائق النفقات والإيرادات ) الذي أصدرته وزارة المالية ، كان المخطط أن تكون ألإيرادات الإجمالية 134.5 تريليون دينار، منها 117.2 تريليون دينار إيرادات نفطية و17.3 تريليون دينار إيرادات غير النفطية ( الإيرادات غير النفطية بنسبة 12.9% ) ، وهذه النسبة لم يتم بلوغها ، ففي الواقع الفعلي ، بلغ إجمالي إيرادات العراق النفطية وغير النفطية في تلك السنة 135.6 تريليون دينار ، منها 125.8 تريليون دينار إيرادات نفطية و9.7 تريليون دينار إيرادات غير نفطية، أي بنسبة 7.15 % .
والإيرادات العامة للدولة تشمل ، الضرائب والرسوم والأجور والغرامات وما يأتي من إيراد العقارات والأملاك والاستثمارات ، وفي بلدنا يسال المواطن باستمرار أين تذهب إيرادات ( المنتجات النفطية المنتجة محليا ، المرور من المعاملات والغرامات ، التسجيل العقاري والمحاكم وكتاب العدول ، الماء والمجاري والكهرباء ، الضرائب على الدخل والمهن والسكن والعقارات ، المستشفيات والمراكز التخصصية بالعام والخاص ، الكمارك والمنافذ الحدودية ، شركات الهاتف النقال ، التعليم العالي من أجور الدراسة والمكاتب الاستشارية والصناديق ، النقل البري والجوي واستخدام الأجواء وخدمات الطائرات ، الخارجية من التصديقات ، الفيزا وإقامة العرب و الأجانب ، أرباح بيع الدولار ، إيرادات الشركات العامة من السلع والخدمات ، خدمات دوائر البلدية ، إيرادات وإرباح المصارف لحكومية ، الزراعة والسياحة والمزارات ، غيرها )، و بضوء ما يتم استيفائه من نسب وأرقام ترهق وتزعج البعض ، يزداد السؤال شدة لماذا تكون بهذا المقدار ؟ .
وليست هناك صعوبة في الإجابة عن ذلك ، لان جزءا من الإيرادات الحكومية لا يمر إلى الخزينة المركزية تطبيقا لوحدة الإيراد و لعدة أسباب ، أولها : أنها تذهب لبنود ضمن عدة مسميات بعناوين الصناديق والتمويل الذاتي والمستقلة وغيرها من الأنواع ، فبعض الإيرادات تخضع لقوانين وأنظمة تجيز الصرف من تلك الإيرادات لتغطية المصروفات في مجالات عديدة بهيئة مدفوعات ، ثانيها : أنها لا تدخل في الخزينة بسبب الفساد والالتفاف على التعليمات والقوانين وهناك عشرات الأمثلة استنادا لما تم الكشف عنه في هيئة النزاهة والقضاء ، او التي لم يتم الكشف عنها بعد لعدة أسباب ، ثالثها : الإيرادات التي لم تتم جبايتها لعوامل وأسباب عديدة منها ضعف كفاءة أداء الأجهزة الإدارية والفساد والضغوطات ، ومن أمثلتها قوائم الكهرباء وأجور الماء والبضائع التي تدخل من منافذ خارج سيطرة الدولة وعصيان البعض عن تسليم ما عليهم من التزامات واستحقاقات ، ورابعا : لأسباب وضغوطات تندرج تحت العديد من المسميات .
وخلال مؤتمر حوار بغداد الثامن ( الذي عقد خلال آب 2026 ) ، كشف السيد علي الزيدي، دولة رئيس مجلس الوزراء ، عن توجه الحكومة لتصحيح ما يحصل منذ سنوات بما يضمن زيادة الإيرادات غير النفطية ، ، واستشهد بحالة تتعلق بإيراد المنتجات النفطية ، قائلا : إن وزارة النفط تشتري مليون برميل يوميا بسعر( 5000 ) دينار للبرميل لتحويلها إلى منتجات نفطية ، وقد تم التوجيه بان يباع لها النفط الخام بخصم 30% من أسعار النفط السائدة ، بشرط إبقاء الدعم للمواطن ، وان هذا القرار سيطبق ابتداءا من 1/ 10 / 2026 ، وانه سيوفر 17.8 تريليون دينار سنويا ، وبهذا التوجه أيضا ، أصدرت وزارة المالية أعماما إلى الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة ، بوجوب تسديد 50% من إيراداتها بمختلف الأبواب ، وان تتم التسويات في الحسابات الختامية .
وتعظيم الإيرادات غير النفطية ، ضروريا جدا لمقابلة النفقات الحالية ولمعالجة الديون ، التي قال رئيس الوزراء إنها بلغت ( 208 ) تريليون دينار وهي قابلة للزيادة ، بضوء انخفاض صادرات النفط والتعهد بدفع مستحقات أكثر من ( 8 ) موظف ومتقاعد شهريا بانتظام ، وان هذه الإجراءات تتطلب الحزم ، فكل الوزارات والمؤسسات تعمل بموارد الدولة والتي هي ملكا لثروات الشعب ، والابتعاد عن وحدة الإيراد في الموازنات الاتحادية ، وفسح المجال تحت عناوين التمويل الذاتي في بلد يعاني من ضعف الرقابة وانتشار الفساد ، يتسبب بعدة تداعيات ، تتعلق بهدر المال العام وعدم العدالة في توزيع الثروات وفتح منابع للفساد ، فالإيرادات التي لا تدخل الخزينة يتم تبويبها كنفقات وحوافز وغيرها من الأبواب ، وفي بعض الحالات تتم المبالغة في الإنفاق التشغيلي وغير التشغيلي تحت تبرير تلبية الاحتياج وإزالة البيروقراطية عن القرار ، ووجه عدم العدالة إن العاملين في تلك الوحدات وان كانوا جميعا من الموظفين وسلم رواتبهم يجمعهم بموجب القانون 22 لسنة 2008 ، إلا أنهم يستلمون مستحقات من المخصصات والحوافز والمكافآت والأجور تختلف كثير عن بقية الموظفين ، مما انشأ مطالبات منذ سنوات لتوحيد الرواتب حسب الفئات لكل القطاعات .
والتوجه الحكومي لزيادة الإيرادات غير النفطية هو توجه مهم من كل الجهات ، ولكنه قد يواجه بمجموعة من العقبات ، أبرزها يتعلق بالتشريعات من القوانين والأنظمة والتعليمات التي أوجدت كيانات مالية لبعض التشكيلات ، وهذا يتطلب تشريع من مجلس النواب يقضي بإيقاف العمل بها لحين إعادة النظر بالنصوص التي وردت بالتشريعات ، ودون ذلك ممكن إن تتصدى المحكمة الاتحادية إن كان مجرد إجراء ، كما ينبغي التحسب من ردود أفعال الفئات والأفراد الذين يتضررون من هكذا قرارات ، سيما الذين تبلغ مدخولاتهم الأضعاف عن اقرأنهم ببقية الوزارات ، وهذا الموضوع يتطلب الحرص عدم المساس بمصالح عموم الناس ، بزيادة الضرائب او الرسوم او الأجور ، إذ يكفي ما تعانيه شرائح عديدة من الغلو الذي يرتفع تدريجيا دون علاج .