البرغر الايراني!
كتب / خالد شحام ..
يعيش العالم هذه الأيام الرهاب الموسمي لأيلول الموعود بالغضب، نوبةٌ من القلق والتوتر تسود في انتظار مفاجآتِ ما تضمره خزائن الشـر في الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد ايران ولبنان وغزة وسائر محاور النار التي لم نعد نعرف عددها أوحدودها ، لقد وصلت الإدارة الأمريكية إلى نقطة اللاعودة في الاتجاهين، واكتشف الرئيس الثرثار بالأمس أثناء حديثه عن “البطاطس الصغيرة” بأنه يجلس وحيدا على مقعد الخازوق ويتوجب عليه أن يبتلع إما الحبة الزرقاء ليعود إلى رشده أو الحمراء ليكمل حربه المزعومة.
عقب وقوع طوفان الأقصى وبدء العدوان الإرهابي على غزة طيلة ثلاثة أعوام، أعيد تشكيل الوعي العام لدى كل منا، أصبح ماثلا أمام كل مفكر وكل صحفي وكل كاتب أننا أمام تغيرات مدفوعة قسرا أعادت تجديد البنية المعرفية، لقد انهارت مفاهيم السياسة التقليدية وعُجنت كل قناعاتنا ومبادئنا ووضعت أمام امتحان الوعي الوجودي حيال ما تفعله الصهيونية العالمية وإلى أين تسير بهذا العالم، وكي لا أطيل على القارىء، اسمحوا لي بتركيز الأفكار التي تتناولها هذه المقالة في نقاط محورية في محاولة الوصول لبناء صورة لكل السياق الذي يحدث :
1-النقطة الأولى التي يجب الانطلاق منها في أية رؤية هي أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني يخضعان لقاعدة المثلثات المتشابهة في رياضيات التاريخ، أحدهما طويل الضلع والثاني مسخوط الضلع، الولايات المتحدة ليست إلا النموذج الضخم للكيان الصهيوني وللروح العدوانية المبيتة فيه ، نموذجان قائمان على التطفل الوجودي والاعتداء والخروج عن القانون بالاحتيال السياسي المفروض بالقوة التكنولوجية والعسكرية وهالة الدعاية الحضارية الكبيرة ، على الرغم من هذا التشابه إلا أن الكيان الصهيوني يمثل العصارة المركزة للوساخة الايديولوجية التي تجمع الإثنين ولهذا السبب فهو المركز الحقيقي والعقل الاستراتيجي الذي يقود جسد الولايات المتحدة الضخم جدا ، لقد أثبتت حزمة الاعتداءات (وليس الحروب ) على كامل المنطقة بدءا من غزة وانتهاءا بإيران بأن الولايات المتحدة باتت عاجزة ومنذ سنوات طويلة عن إنتاج سياسات محايدة أو نزيهة أو ذات بصيرة واسعة تضمن لها عرشها المستقبلي في حكم العالم ، وباتت عقيمة عن ولادة سياسيين على مستوى من الذكاء والكفاءة والدبلوماسية التي تتمتع بالحد المعقول من القيم والاتزان ، لم يعد من الموثوق بأن أية دورة انتخابية أمريكية قادمة يمكن أن تفرز احتمالا لخروج سياسي واحد مؤهل ، ما لم تحدث انقلابات جذرية .
2-فيما مضى من تاريخ العالم تم إنشاء مؤسسات الأمم المتحدة واستدعاء كل الأطراف لصياغة عالم جديد تسوده تفاهمات موثوقة لضمان عدم اعتداء أي بلد على آخر ، وضمان ألا يتصرف أحد وكأنه حاكم العالم او بوليسه أو قاضيه ، إن ما فعله الكيان الصهيوني طيلة السنوات الثلاث الماضية أعلن بكل وضوح بأن هذا الكيان انقلب على العالم كله بإشهار نفسه كحاكم وقاضٍ وجلاد دون اية ضوابط ، نحن أيها القراء أمام محاولة طازجة لبعث كولومبوس الاسرائيلي في القارة العربية وربما العالمية بنفس سيناريو المهاجرين المجرمين الآوائل ، إن ما حدث خلال السنوات الماضية والشهور الحالية يؤكد أن المنظومة الدولية القانونية قد انهارت ولم تعد صالحة أو قادرة على توفير الأمان لأي بلد في العالم ، وهذا يعني بأننا فعلا على أعتاب الانطلاق لدورة جديدة من الحروب العالمية .
3- إن العدوان على ايران ليس مجرد رغبة صهيونية حرض عليها مجموعة الأولاد والبيمبو الصهيوني داخل أروقة البيت الأبيض ، بل هي غايات متقاطعة الأهداف للنوايا التي يضمرها المجمع الصناعي العسكري الأمريكي بشقيه الرقمي والتقليدي ، إن الاعتداء على ايران يحمل لافتة كاذبة عنوانها منع البرنامج النووي والصاروخي وايقاف دعم (الجماعات المسلحة ) ، لكن الغاية الحقيقية هي دفع العالم إلى الإفلاس ، والاستيلاء على الخليج العربي بمعنى الكلمة ، كل ذلك من أجل تجفيف منابع وروافد الإمداد التي تبقي الصين في رأس المنافسة الاقتصادية ضد الولايات المتحدة ، وضمان تعزيز الدولار كعمود فقري للعدوانية الأمريكية ، إن ثبات ايران وردها الضربات وتحديها للهيمنة الأمريكية تسبب في إرباك الحسابات وإحداث استنزاف حقيقي في سمعة ومكانه الأمريكان ، وتسبب ترامب وادارته بمأزق حقيقي لبلده وللعالم بأكمله ونهاية هذا المسار سوف تختتم بمحاكمة ترامب وفريقه وسقوط كل هذه الخطط الفاشلة.
4- لا يحتاج المرء قراءات وتحليلات سياسية ليفهم بأن المنطقة وهذا العالم مقدمان على حرب طاحنة وعشرية شديدة القسوة ، وبأن أي نوع من الهدوء أو الاتفاقات إنما هو احتيال على الوعي وعلى الزمان وتأجيل للمعركة الفاصلة ، لم تعد المسألة مرتبطة بنوايا ترامب ونتانياهو لضرب ايران أو تنفيذ الإنزال الأرضي ، ولم تعد المسألة انتزاع سلاح المقاومة في غزة أو لبنان أو اليمن للحصول على الاستقرار الموهوم ، لم تعد المسألة اتفاقيات سورية أو لبنانية أو خليجية لحماية (أمن ) الكيان ، المسألة هي أن العدالة ضائعة في هذه المنطقة منذ عقود طويلة ومن العالم ومن كل المنظومات الدولية التي تحكمنا ، نحن شعوب مظلومة جدا ومنهوبة الأرض والحقوق والكرامة ، يجب أن يتوقف هذا الموت المجاني ويجب ان يتوقف تركيع وتجويع الشعوب والاستيلاء على مصيرها وحقوقها ومقدراتها ، إن المعركة الكبرى القادمة ليست مصدرا للخوف بل هي العكس مصدر للاطمئنان بأن يوم الدينونة قد اقترب ويجب إنهاء كل هذه المعاناة من طول وعرض بلاد العرب ، إنها معركة المصير والتي سيكون فيها النصر الحتمي لكل المظلومين ولكل الشعوب التي نهبت حقوقها وأراضيها ومستقبلها وثرواتها .
5- إن السكوت الطويل في بلاد الأنظمة القمعية لا يعني بأن الشعوب ماتت أو رحلت إلى الأبد ، لقد انتهت تمثيلية التأعرب والتأسلم و جـاء وقت الحقيقة ، تجويع الشعوب العربية وأفقارها وسرقة ارادتها ومشاعرها وكتم أنفاسها لا يعني بأن الطغاة قد انتصروا ، مهرجانات العهر والرقص والسفالة لا يمكن أن تمحو رسالة محمد من قلوب الأجيال ، التطبيع لا يمكن أن تقبله الشعوب ، إن حبس العرب عن الوقوف مع الحق لا يمكن أن يستمر طويلا ، إنها طاقة وضع معنوية كونية تحتبس في نفوس الناس تتناسب طرديا مع مربع قوى القمع والجبروت ، إنها طاقة مثل التسونامي الجارف كلما طال حبسها كلما زاد خطرها ، وهي قادمة لا محالة وستعيد رفعة العرب والمسلمين وتحق العدل وتعيد جدولة حياتنا كلنا .
6- إن الفشل الأمريكي في الاعتداء على ايران هو حقيقة مثبتة وحتمية بكل تجلياتها وأبعادها سابقا ولاحقا وهو النتيجة المقروءة للمستقبل ، ولذلك حذار أن يفكرأحدكم بأن أي شيء ستفعله الولايات المتحدة في سبتمبر يمكن أن يغير من المعادلة التي ترسخت خلال الشهور الماضية ، لم يحدث الفشل لأن الولايات المتحدة لم تحقق نتائج العدوان ، بل فشلت لأن بذور الفشل والخسران محضرة وجاهزة من داخل الولايات المتحدة نفسها والكيان الإجرامي المحرض وراءها ، لقد فشلت الولايات المتحدة لأن هنالك فريقا فاشلا متكاملا من التجار والأغبياء وعديمي الفكر والضمير يقودون الولايات المتحدة ، فشلت لأن الشعب الأمريكي مغيب ولم ينتخب فعلا وتم عزله منذ زمن طويل عن الشعارات البراقة التي بُني عليها الحلم الأمريكي التي تتحدث عن أرض الحريات والعدالة والديموقراطية المزعومة ، فشلت لأن البقية القليلة المتبقية الفاهمة من عساكر وسياسيي الولايات المتحدة غير راضين عما يجري في كل هذا السياق ومهمشين ومكبلين منذ مدة ليست قصيرة ، فشل العدوان وسوف يفشل لأنه من غير المعقول ولا العدالة أن يتم الاعتداء على ايران تحت حزمة أكاذيب وتلبيسها اتهامات باطلة لأن هذه المبررات أصبحت سطحية ومكشوفة ولم تعد تنطلي على أحد ، لقد فشلت الولايات المتحدة سلفا في عدوانها حتى لو استخدمت العقوبات المشددة وتسببت في تجويع شعب ايران ووضعه في طوابير البنزين والخبز لأن العالم بأسره يعلم بأن العدوان باطل ولا شرعية له ولا ديمومة ، إن العداون سيفشل حتى لو تم قصف ايران بأي سلاح أو بأي عتاد نووي أو استراتيجي لأن القصف يهدم الأشياء اللينة مثل المعادن والجسر والمبنى ، ولكنه يعزز من متانة الأشياء الصلبة مثل الإنسان والعقيدة والعزيمة والتحدي والصمود ، لقد فشلت الولايات المتحدة في الضحك على الشعب الإيراني بالبرغر الأمريكي ودفعه للانقلاب على بلاده ، تماما كما فشلت في اقناع العراقيين بأنها جاءت لتحريرهم ، لقد فشلت في عدوانها على أفغانستان وفشلت في اليمن وسوريا وفلسطين ، اما فشلها في ايران فسوف يكون تاج العروس لكل العالم ، سياسيا وعسكريا وتاريخيا ، إن اللكمة التي سددها الحرس الثوري لحرس آبستين ثأرت لكل مظلومي وأحرار هذا العالم .
7- لم تلطخ ايران وتذل سمعة الولايات المتحدة بوصفها القوة المريدة سريعة النتائج والحسم وذات السطوة والبطش الشديدين فحسب ، بل أسقطت شيئا خفيا حيويا في السياسات الأمريكية أكثر أهمية في ضمير الغيب ، لقد غرست الولايات المتحدة في شعوب المنطقة العربية فيروس الروح الأمريكية وهو الأشد خطرا من القواعد الأمريكية ، عدوى العولمة والانفتاح والستايل الغربي وثقافة هوليوود والبرغر والدجاج المقلي والجينز والسيارات الباذخة والميوزيك ومهرجانات العهر ، هذه العدوى الناعمة المظهر التي اشتغل عليها وكلاء أمريكيا داخل الشعوب هي روح جذرية أساسية في محاربة مجتمعات العرب في هويتها العربية الإسلامية ، وهي وسائط تحوير ثقافي ساقت المجتمعات العربية إلى الانسلاخ من سلوكها الحقيقي وغايات وجودها الحقيقي الذي صورته الثقافة الإسلامية وهي تكمن وراء العلمانية والالحاد والنسوية والشعوب اللاعبة اللعوبة التافهة عديمة القيمة ، عديمة الوعي ، والتي خذلت فلسطين ولبنان واليمن إلى مستوى الخيانة العظمى ، لقد قامت الولايات المتحدة بنفسها وبغباء شديد بتدمير هذه البنية الثقافية الهشة المتغلغلة في الأجيال الجديدة عندما هاجمت ايران واضطرت ايران للرد فتكشف للعالم بأن الدول والمجتمعات المبنية على الثقافة الأمريكية المنقولة المذكورة هي مجتمعات هَشَّة مثل الزجاج الرقيق ويمكن تحطيم مناعتها واقتصادها وكامل بنيتها التحتية خلال دقائق فقط ، إنها ثقافة الهلاك ، مادية رأسمالية صرفة لا تورث أصحابها إلا الخسران والضعف والتبعية والهوان ، لقد تبين بأن إعادة البلاد إلى “العصر الحجري ” وفقا لجماعة “العصر الحجري ” تتعلق بمن يتبع النهج الأمريكي وليس العكس ، وقد برهن نموذج مواطنة المقاومة في حرمانه وعذابه وبساطته وتواضعه وأدبه وحقيقة انتمائه ، قدرة صمود فريدة أصبحت نموذجا قياسيا .
8- إن العدوان الشامل الذي يمتد من قلب غزة العظيمة إلى حدود لبنان وايران ليس مجرد حرب عسكرية أو اقتصادية أو حضارية ، بل هي معالم للمعركة الفاصلة بين حلف الشيطان وحلف الله ، ومهما كان الطرف الذي يقف ضد الشيطان فهو جندي من جنود الله مهما كان وسمه أو صفته ، العدوان على ايران غير شرعي وغير أخلاقي ولا قانوني ولا حضاري ، وشئنا أم أبينا فإن ايران أصبحت أيقونة المواجهة مع الامبريالية الصهيونية وأصبحت الأداة الوحيدة لإنقاذ عالم العرب من الوحشية والابادة والابتلاع الذي ينتظرهم في المنطقة ، هنالك شـر عظيم يتربص بالمنطقة ينتظر سقوط ايران ، ووقفتها وصمودها أمام هذا التغول التاريخي ليس شأنا ايرانيا فحسب بل هو يصب في حماية مستقبل هذا العالم بأكمله ، إنه بوابة حديدية تحمي القوى العظمى في روسيا والصين ، وبوابة تحمي العرب من شر منتظر وأيام أدهى وأمَرّْ ، لقد قالت ايران لثنائي العصر الحجري بأن البرغر الأمريكي لن يكون متاحا في طهران ولن يقبله هذا الشعب مهما فعلتم و استخدمتم ، وهاتوا ما لديكم إن كنتم فاعلين .