هل أصبح العراق دارك ويب؟!
كتب / مجيد الكفائي ||
العراق وعلى مرّ العصور كان منبعًا للكرم والغيرة والشهامة وموطنًا للقيم التي جعلت من نصرة المظلوم وإغاثة المحتاج وحماية الجار جزءًا من ثقافة المجتمع وذاكرته .
كان العراقي يفتح بابه للغريب قبل القريب ويعد حماية المستجير شرفًا والوفاء بالعهد قيمة لا تُشترى ولا تُباع .
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم وسط ما نراه ونسمعه من وقائع مقلقة :
هل تغيّر العراق إلى الحد الذي أصبح معه بعض ما يجري خلف الأبواب المغلقة أشبه بما يعرف في العالم الرقمي ” بـالدارك ويب ” ؟
ليس المقصود أن العراق أصبح حرفيًا شبكة مظلمة على الإنترنت وإنما هي استعارة عن عالم خفيّ تتداخل فيه المصالح غير المشروعة والابتزاز والاحتيال وتجارة النفوذ واستغلال الوظيفة والمتاجرة بالأسرار بعيدًا عن أعين القانون والمجتمع .
فالدارك ويب في صورته المجازية هنا، ليس موقعًا إلكترونيًا بل سلوكًا حين تصبح الأشياء التي يفترض أن تكون محرّمة ومرفوضة اجتماعيًا قابلة للتداول في الخفاء وحين تتحول بعض الأسرار والوثائق والصور والتواقيع والمعلومات الشخصية إلى أدوات ضغط ومساومة.
الأخطر أن هذا العالم لا يعيش بالضرورة خارج مؤسسات الدولة بل قد يتسلل أحيانًا إلى بعض مفاصلها عندما يستغل شخص منصبه أو علاقاته أو صلاحياته لتحقيق منفعة شخصية .
عندها يصبح المنصب الذي يفترض أن يكون أمانة لخدمة الناس وسيلة للوصول إلى المعلومات والنفوذ وربما إلى أموال الآخرين وحقوقهم .
وهنا تظهر مفارقة مؤلمة :
كيف يمكن لمجتمع عُرف بالغيرة على أعراض الناس وحرمة بيوتهم أن يصل بعض أفراده إلى استخدام أسرار العائلات وصورها وخصوصياتها وسيلةً للضغط والابتزاز؟
لقد كان العراقي قديمًا يخجل من أن يذكر سرًّا ائتمنه عليه جاره أما اليوم فإن التكنولوجيا جعلت الاحتفاظ بالأسرار أصعب وجعلت تسريب صورة أو تسجيل أو معلومة قادرًا على إلحاق أذى بالغ بالإنسان والأسرة.
ولا تتوقف المشكلة عند الابتزاز الإلكتروني فهناك صور أخرى أكثر تعقيدًا:
استغلال الثقة إساءة استخدام الوكالات والتواقيع التلاعب بالمعاملات استغلال الصديق وتسليمه للعصابات لجني المال والاحتماء بأصحاب النفوذ .
وكلما غابت المحاسبة أصبح الخوف من القانون أقل وأصبح الطمع أكثر جرأة .
لكن من الخطأ أن نعمّم هذه الظواهر على العراقيين جميعًا. فما زالت في العراق عائلات ومجتمعات وأفراد يتمسكون بالقيم الأصيلة وما زالت الشهامة والكرم والنخوة حاضرة بقوة في كثير من البيوت .
المشكلة ليست في المجتمع العراقي كله وإنما في تراجع قدرة القيم وحدها على مواجهة الجريمة حين تتطور أدواتها ويضعف الردع القانوني والمؤسسي .
إن مواجهة هذا” الدارك ويب “
العراقي المجازي لا تكون بالشعارات ولا بمجرد إدانة الفاسدين والمبتزين وإنما ببناء مؤسسات تستطيع الوصول إلى الحقيقة وقوانين تحمي الضحايا وقضاء يردع المعتدين ورقابة تمنع استغلال السلطة وثقافة اجتماعية ترفض التستر على الجريمة مهما كان مرتكبها قريبًا أو صاحب نفوذ .
فالعراق لا يحتاج إلى أن يستعيد ماضيه بالكلمات بل يحتاج إلى أن يستعيد قيمة الأمانة التي جعلت من الكرم والشهامة والغيرة جزءًا من شخصيته.
والسؤال في النهاية هل أصبح العراق دارك ويب
هل بدأنا نبني بأيدينا عالمًا خفيًا لا يعود فيه الإنسان آمنًا من ابتزاز ماله أو منصبه أو أسراره أو حتى خصوصية بيته؟
إذا كان الجواب نعم في بعض الحالات فإن المعركة الحقيقية ليست مع “الدارك ويب “
الإلكتروني وإنما مع دارك ويب اجتماعي وأخلاقي لا يمكن إغلاقه إلا بإعادة الاعتبار للقانون والضمير معًا .