عام دراسي بنظام الوزير: قررنا.. تراجعنا.. استجبنا..فشلنا!!!
كتب / د. ياس الأحمد …
موعدٌ جديد لبدء العام الدراسي، وقرارٌ آخر يُضاف إلى سلسلة القرارات التي يبدو أن وزارة التربية تتعامل معها بوصفها «مسودة قابلة للتعديل»، لا سياسة تربوية يفترض أن تُبنى على تخطيط ودراسة واستعداد.
كل شيء في الوزارة محسوب بدقة… حتى التراجع عن القرار!
فالقرار يصدر، ثم تبدأ ردود الأفعال، ثم تتحرك الاتصالات، ثم تظهر «طلبات المستمعين»، وبعدها يأتي القرار الجديد، وكأن الوزارة لا تضع خططاً للعام الدراسي، بل تدير برنامجاً إذاعياً مفتوحاً على الهواء: «اتصلوا بنا، واقترحوا موعدكم المفضل لبدء الدراسة».
أما توجيه "معالي الوزير "فهو دائماً حكيم؛ حكيم عندما يقرر، وحكيم عندما يؤجل، وحكيم عندما يتراجع عن قراره السابق، وحكيم حتى عندما يصبح القرار ونقيضه صادرين من الجهة نفسها!!!!
وبهذا المنطق، قد لا يكون مستبعداً أن يستيقظ الطلبة صباحاً على قرار جديد: «الدوام يبدأ غداً»، ثم يصلهم بعد ساعة تنويه آخر: «بناءً على طلبات المواطنين… يؤجل إلى إشعار آخر».
المشكلة ليست في أن تتغير القرارات إذا تغيرت الظروف، فذلك أمر طبيعي في الإدارة الرشيدة. المشكلة أن تتحول التغييرات إلى أسلوب إدارة، والتراجع إلى بديل عن التخطيط، وردود الأفعال إلى بوصلة للعمل الوزاري.
العام الدراسي ليس مباراة لتسجيل النقاط الشعبية، ولا موسم انتخابات حتى تُقاس القرارات بعدد التصفيق لها. وراء كل موعد دراسي آلاف المدارس والمعلمين والطلبة والعائلات، وكل تغيير مفاجئ يعني إعادة ترتيب حياة ملايين الناس.
والأكثر إثارة للسخرية أن كل قرار يأتي محملاً بلغة الإنجاز والحكمة والمصلحة العامة، حتى إذا اصطدم بالواقع تبدلت الحكمة، وتغيرت المصلحة، وصار التراجع نفسه «استجابةً للمواطنين».
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كانت الوزارة تستمع إلى الشارع بعد صدور القرار، فمن كان يستمع إليه قبل إصداره؟
إذا كان القرار مدروساً، فلماذا يتراجعون عنه بهذه السرعة؟ وإذا لم يكن مدروساً، فلماذا صدر أصلاً؟
في المؤسسات المحترمة، التراجع عن الخطأ فضيلة، لكن الإصرار على إنتاج القرارات المرتجلة ثم الاحتفاء بالتراجع عنها ليس إصلاحاً، بل إدارة للأزمة بعد صناعة الأزمة.
وزارة التربية تحتاج إلى روزنامة تربوية، لا إلى «جدول مفاجآت». تحتاج إلى قرار مؤسسي لا يتغير مع كل موجة اعتراض، وإلى تخطيط يجعل الطالب يعرف متى يبدأ عامه الدراسي قبل أن تعرف مواقع التواصل الاجتماعي موعده.
أما «حفظ ماء الوجه»، فليس في كثرة البيانات ولا في البحث عن مبررات لكل تراجع. ماء الوجه يُحفظ عندما تكون القرارات محسوبة قبل إعلانها، وعندما يتحمل المسؤول مسؤولية قراره، وعندما لا يتحول مستقبل الطلبة إلى حقل تجارب للقرارات الشعبوية.
وفي النهاية، يبقى الإنجاز الحقيقي للوزير ليس أن يصدر قراراً اليوم ويتراجع عنه غداً، بل أن يصدر قراراً واحداً… ويجعل الجميع يعرف أنه كان يعرف إلى أين يتجه منذ البداية.
فالتربية تحتاج إلى وزير يخطط للمستقبل، لا إلى وزير يجعل المستقبل ينتظر قراره التالي.