خريف الفساد..!
كتب / عبد الزهرة محمد الهنداوي …
ابتداء، أقول إن عنوان هذا المقال لا صلة له بكتاب محمد حسنين هيكل (خريف الغضب) الصادر في لندن مطلع الثمانينيات، وقرأته في مطلع التسعينيات، إلا من زاوية فكرة أوردها في ذلك الكتاب، حين أشار إلى أن أنور السادات أوجد مناخا شكّل بيئة خصبة لنمو الفساد، عندما أبلغ عددا من أقاربه واصهاره، بأنه لا يمانع من انخراطهم في الأعمال التجارية مستفيدين من مواقعهم في السلطة، شريطة ألا تصل رائحة فسادهم إلى الرأي العام، وإلا فإنه سيتعامل معهم بحزم شديد!!.
وكأن الرسالة كانت، افعلوا ما شئتم، لكن لا تدعوا أحدا يكتشف ما تفعلون، غير مدرك أن الفساد، بطبيعته، لا يمكن إخفاء رائحته إلى الأبد، فقد يُغطّى صوته بالضجيج، لكن رائحته سرعان ما تنتشر، ويشمها الجميع.
ومن هنا أصل إلى بيت القصيد، فكم من فاسدين ملأوا الدنيا صخبا، وادّعوا أنهم الأطهر والأكثر نزاهة، وأنهم أشد الناس حربا على الفساد والمفسدين، غير أن الزمن كفيل بكشف الحقائق، فبدأت الأدلة تتراكم، وبدأت الأقنعة تتساقط، ليكتشف الناس أن أولئك الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على النزاهة، كانوا في حقيقتهم جزءا من منظومة الفساد،
ولم يخطر ببال هؤلاء، ولو للحظة، أن مكرهم سيرتد عليهم، وأن نفوذهم وإمساكهم بمفاتيح السلطة لن يكونا درعا يحميهم إلى الأبد، ظنوا أن أحدًا لن يقترب منهم، وأنهم بمنأى عن المساءلة، لكن الأيام أثبتت أن دوام الحال من المحال.
لقد حلّ خريف الفساد، وتلوح في الأفق ملامح شتاء قاسٍ على كل من اعتقد أن المال المنهوب والنفوذ السياسي كفيلان بحمايته، فقد تهاوت الحصون التي شيدها الفاسدون، وتبيّن أنها أوهى من بيت العنكبوت، وسقطت تباعا أمام إجراءات الملاحقة وكشف الحقائق.
وما انكشف خلال هذه المرحلة كان صادما، إذ ظهرت كميات هائلة من الأموال المنهوبة والذهب والممتلكات التي خُبئت في أماكن لم يكن يتخيلها أحد، من المنازل والمزارع إلى المباني والمخازن، فضلا عما جرى الاستحواذ عليه من عقارات وأراضٍ وثروات، في مشهد يكشف حجم الاعتداء على المال العام، وما سُلب من حقوق الفقراء.
إن ما كشفه خريف الفساد يجب ألا يكون نهاية المطاف، بل بداية مرحلة جديدة تُستكمل فيها منظومة الإصلاح، عبر تشريع المزيد من القوانين التي تسد منافذ الفساد، وتعزيز صلاحيات المؤسسات الرقابية والقضائية والأمنية، ورفع أي غطاء سياسي أو إداري يحول دون محاسبة الفاسدين، كائنا من كانوا،
كما أن نجاح هذه المعركة يتطلب موقفا شعبيا داعما، يساند الإجراءات الحكومية الرامية إلى اجتثاث الفساد، لأن بناء دولة القانون لا يكتمل إلا بتكاتف مؤسسات الدولة والمجتمع معا، حتى لا يجد الفاسدون مرة أخرى بيئة يعودون منها إلى العبث بمقدرات الناس.