متى وكيف تعاد رصانة التعليم العالي في العراق ؟!
كتب / د باسل عباس خضير …
يعتقد البعض أن مستويات التعليم العالي في العراق ليست على ما يرام ، وهم يتمنون أن تعاد هيبة ومكانة الجامعات اقلها لما كان عليه أيام زمان ، ويتم ذلك في ظل موقف يتبناه البعض بان التعليم العالي آخذا بالتراجع باستمرار ، ومن حق المواطن أن يفخر بما يحتويه بلده من قطاعات ومنها قطاع التعليم العالي لما لهد من دور وتأثير في صناعة مستقبل البلاد والأبناء ، و لكن في اغلب ما يقال ، هناك سوء تقدير تاريخي لواقع التعليم بين الحاضر والماضي ، ولان القناعات بالتراجع او الهبوط بالتعليم العالي ليست مسالة عاطفية فحسب ، فان ذلك يتطلب الإشارة إلا انه ليس وليد اليوم ، وإنما هي أوضاع ورثت منذ عقود ولا تزال بحاجة لمعالجات ، فالعراق شرع ببناء قاعدة علمية للتعليم منذ خمسينات القرن الماضي ، واخذ بتنميتها فيما بعد من بالاعتماد على ولوج الدراسات العليا في الخارج ، من خلال البعثات والزمالات والنفقة الخاصة ، ونتج عن ذلك توفر ملاكات بمختلف الاختصاصات ، وبهم وبمشاركة المتخرجين من الداخل ، أصبحت للجامعات كوادر تعليمية وتدريبية بمستو يقترب من الجامعات العالمية ، واستطاعت الجامعات العراقية تسجيل حضور علمي مهم في المحافل العالمية وفي تخريج الدارسين بمستوى يستوفي كل المتطلبات .
وفي نهاية السبعينات بدأت خيوط الهجرة تعم الجامعات ، بسبب هروب بعض الكفاءات التي لم تكن توجهاتها تنسجم مع توجهات الحكومة لعدة أسباب ، فخرج عدد من الشيوعيين والمطاردين فكريا ، وبعد اندلاع الحرب مع ( إيران ) ، اشتدت هجرة الكفاءات هروبا من الخدمة العسكرية والجيش الشعبي وويلات الحروب ، وفي السنوات الأخيرة من تلك الحرب توقفت البعثات ، وأصبحت الجامعات شبه منعزلة عن العالم بسبب الإيفاد والسفر او غيرها من الأسباب ، ولظروف مالية انقطعت نسبة كبيرة من الاشتراكات في المجلات والدوريات والمشاركة في المؤتمرات ، ورافق ذلك عزوف بعض الدارسين في الخارج عن العودة للوطن بسبب ظروف الحرب ، وبعد احتلال ( الكويت ) وفرض الحصار تضررت الجامعات لحد كبير ، اذ انتشرت هجرة الكفاءات لمن استطاع ترك البلاد وتحدي منع السفر ، وذهب بعضهم لدول جامعاتهم او للعمل لأجل الأمن و لقمة العيش ، سيما الدول التي توفر فرص العمل ( الأردن ، اليمن ، ليبيا ، دول الخليج ، وغيرها ) ، وفي سنوات الحصار اعترفت قيادة الدولة بحدوث نقص كبير في ملاك الجامعات ، ولهذا تبنت عام 1992 ( ندوة النهوض بواقع التعليم العالي ) ، والتي ركزت في إحدى مضامينها على توسيع الطاقات الاستيعابية ، لمختلف الاختصاصات في الدراسات العليا لتعويض النقص ، وكان الهدف لبعضها الوصول لعشرة أضعاف للقبول .
وعند الاحتلال عام 2003 ، لم تكن الجامعات في أفضل أحوالها، إذ كادت تسير أمورها بالحدود الموجودة التي تعرق متطلبات التنمية الجامعية ، وفي حينها اضطرت بعض الجامعات للعمل مع التصنيع العسكري لتمويل نشاطها او زيادة دخل منتسبيها ، وبجهود فردية استثنائية ، ومن خلال التنسيق مع الممثل الأمريكي لشؤون التعليم ، بدأت نواة إعادة الحياة للجامعات ، واغلبها تعرضت للدمار من الحروب او الفرهود والحواسم ، وتلك البداية كانت تتطلب موارد بشرية ومادية واسعة ، لإعادة الاعمار وإقناع الكفاءات المهاجرة للعودة إلى العراق ، واغلب الكوادر التي عادت ، كررت هجرتها عندما وجدت إن البيئة الجامعية والعامة غير مناسبة لا دائها واستقرارها ، وبعد نفاد دستور البلاد 2005 وتشكيل الحكومة ، شهدت الجامعات نوع من العناية ، من خلال إدراج التخصيصات المالية على قدر الإمكانيات المتاحة ، ومنذ ذلك اليوم وحتى اليوم ، لم تكن تلك التخصيصات كافية لإرساء دعائم للتعليم العالي الذي يتمناه العراقيون ، فالحاجة اكبر من الموجود ، آخذين بعين الاعتبار الفجوة التي باتت واضحة للجامعات ، فالفرق الزمني خلال عقود ، شهد تطورا كبيرا في الجامعات العالمية ، وردم هذه الفجوة يتطلب إرادة عالية وإمكانيات بالمستوى المطلوب .
والإمكانيات والتخصيصات المالية والبنى التحتية والتقنيات ، لم تكن هي العائق الوحيد ، فالحاجة كانت ماسة للتواصل مع الجامعات العالمية ، من خلال معايشتها ونقل تجاربها وخبراتها ، وصحيح إن جهود بذلت بهذا الخصوص ، من خلال مبادرة الابتعاث التي شملت أكثر من 2000 طالب ، وكذلك إعطاء بعض الفرص للإيفاد العلمي لبعض الحالات ، إلا إن ذلك لم يكن كافيا ، و يضاف لما مر التعليم العالي من ظروف ، تلك المعاناة بخصوص قيادة الوزارة والجامعات ، ومنها مسالة الاستقرار النسبي في الاستراتيجيات والسياسات الخاصة بالتعليم ، فقد أدرجت على الورق بالفعل ولكنها شهدت تباينا في الاهتمام ، تبعا لتوجهات مراكز القرار والتي تعرضت لتغييرات ترتبط بالطوائف والمكونات ، وهي لم تكن سلبية بمجملها ، ولكنها تأثرت بالمنهجية والاختيار ، ومتطلبات بلوغ الريادة والابتكار والإبداع بحاجة إلى الثبات لا المزاج ، ويضاف لكل ذلك الدخول الواسع للتعليم الأهلي الذي لم يحدد له معيار ، وهو نمط ضروري ومطلوب لغرض المنافسة والتكامل ، و كان موجود في العراق منذ عقود ، ولكنه انتشر بعد 2003 ليسبق زمانه ، لدرجة إن عدد الجامعات الأهلية التي تأسست في 20 عام ، يفوق عددها الحكومية التي انشئت منذ تأسيس الدولة العراقية وحتى اليوم ، أي على مدار 100 عام .
ملاحظة : ( اضطررنا لهذا السرد ليكون مقدمة للإجابة عن التساؤل الوارد بالعنوان في الجزء الثاني إن شاء الله )